يشعر كل متابع لمواقع التواصل الاجتماعي بغضب تجاه ما يطالعه على مدار الساعة، وهنا تنشأ مفارقة، فالنقد الموجه لتلك المواقع لا ينتهي والشكوى المتواصلة تجاه ما تبثه من غث لا تتوقف، ومعظمنا غير راض عما يحدث، وهنا نسأل: إذا كانت هذه حال معظمنا، فلماذا تتضخم تلك المواقع يوماً بعد آخر وتحقق النجاحات المتتالية وتنتشر بصورة لم تشهدها وسائل تعبير أخرى؟ هل يعود السبب إلى جاذبية ما في تلك المواقع، جاذبية لا نستطيع مقاومتها، فنتابعها ونحن نرفضها في الوقت نفسه؟ هل نخاف أن نعزل أنفسنا عنها فنظهر أمام الآخرين أننا نعيش خارج العصر؟ هل تلبي تلك المواقع احتياجات نفسية مكبوتة تتماس مع لا وعينا؟ لكن لمفارقة متابعتنا بدأب تلك المواقع وفي الوقت نفسه نقدنا لها قصة طويلة، تحتوي على تفاصيل ومفردات عديدة، والسؤال الأهم في هذا السياق، وهو سؤال نسكت عنه ولا نتجرأ على طرحه: في عصر مواقع التواصل، هل حرية التعبير حق لجميع البشر؟
إن طرح السؤال السابق على هذا النحو يحاول القفز على إشكالية تلك المواقع، فهو سؤال جاد ناقشه فلاسفة وحقوقيون ومفكرون عديدون، يُطرح على أداة، مواقع التواصل، لا تحتوي إلا على كل ما هو هزلي.
إن فضاء حرية التعبير جاء في سياقات كبرى ومختلفة، يذكرنا بمرحلة التنوير، خاصة الثورات الأوروبية، وعلى رأسها الثورة الفرنسية، ولقد قال فولتير يوماً: «إنني لست معك في الرأي لكنني على استعداد لكي أضحي بحياتي في سبيل التعبير عن رأيك»، هي مقولة لفيلسوف موجهة إلى نخب، وليس إلى جماهير غفيرة لا أول لها ولا آخر ولا نعرف ملامحها الاجتماعية والفكرية والثقافية، مثل جماهير مواقع التواصل.
لقد ارتبط فضاء حرية التعبير طوال تاريخه بشرائح محددة ومعروفة السمات والملامح، ففي السياسة كانت هناك أحزاب وأفكار ومن ينتمون إلى هذه الأحزاب ومن لهم حق الاختيار في مختلف أنواع الانتخابات، وفي الفكر هناك نظريات درسها البعض وأضافوا إليها ولهم الحق أيضاً في نقاشها لأنهم أعرف الناس بخباياها، وقس على ذلك المعتقدات والتاريخ وقوانين المجتمع.
نحن نشاهد ونسمع على مدار الساعة من يتحدث في مواقع التواصل في كل هذه الحقول، وهو لا يملك المعرفة أو المعلومات التي تؤهله لذلك، ومن يطرح من خلال تعليق أو فيديو أو مقولة رأياً فكرياً أو سياسياً أو يشير إلى مسألة دينية حساسة وهو يفتقد أبسط مفاتيح ما يتحدث فيه، والخطورة هنا تتجاوز مسألة حرية التعبير، فهؤلاء ينشرون الجهل، الذي يتضخم فيتحول إلى صوت عال يطغى على من يملك مقومات حقيقية للتعبير عن رأيه.
لا يمكن أبداً القول إن حرية التعبير ممنوعة على فئة من البشر، لكن ما يحدث من هزل وتسطيح في مواقع التواصل يدفعنا للتوقف لحظات لمناقشة تلك المسألة من دون الخوف من تهمة التعدي على حق أصيل للبشر، لكن أيضاً من دون الخوف من سلطة قاهرة تتشكل في الأفق لمواقع التواصل الاجتماعي.
