الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حين تسكنك مصر

22 أغسطس 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 22 أغسطس 00:10 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
لم تكن هذه زيارتي الأولى إلى مصر، ومع ذلك، في كل مرة أعود إليها أشعر أن هناك شيئاً جديداً يستحق أن يكتشف، قد تعرف الأهرامات، وتزور المتاحف، وتمشي على ضفاف النيل، لكنك تدرك تدريجياً أن أعظم ما في مصر ليس ما تركه التاريخ، بل من يصنعون الحاضر.
وجدت نفسي أراقب الناس عن قرب، باحثاً عن سر هذا البلد الذي مرت عليه حضارات، فإذا بي أجد السر الحقيقي في الإنسان المصري، في طريقته في الحديث، وخفة روحه، وقدرته على أن يزرع الابتسامة حتى في أكثر أيامه ازدحاماً وتعباً.
ومن أبرز المواقف التي بقيت عالقة في ذاكرتي، أن السؤال الذي كان يتكرر عليّ في أكثر من مكان لم يكن عن وجهتي، بل كان، حضرتك منين؟ وحين أجيب من الإمارات، تتغير الملامح ببشاشة، ويأتي الرد الذي سمعته مراراً، أهلاً بعيال الشيخ زايد، لم تكن مجرد عبارة ترحيب عابرة، بل كانت تحمل محبة صادقة، والأجمل أن بعض أصحاب المطاعم، وسائقي سيارات الأجرة، وحتى الباعة، كانوا يرفضون أحياناً أخذ ثمن الخدمة، أو يقدمون خصماً كبيراً، احتراماً لي كإماراتي، عندها أدركت أن العلاقات بين الشعوب لا تبنيها السياسة وحدها، بل تبنيها المواقف التي تبقى راسخة في الوجدان ولا تنسى.
وخلال تنقلي بين المتحف الكبير، حيث تقف آلاف الشواهد على عظمة الحضارة المصرية، وبين الأسواق والمناطق الشعبية وضفاف النيل التي تمنح المدينة شيئاً من السكينة، كنت أزداد يقيناً أن الحضارة لا تقاس بما بقي من حجارة فقط، بل بما بقي من قيم وأخلاق وإنسانية.
ولفتني أن الإنسان المصري لا ينتظر أن تصبح الحياة مثالية كي يبتسم، فهو يعمل، ويجتهد، ويمازح من حوله، ويواصل يومه بروح متفائلة، وكأنه تعلّم من تاريخ بلده العريق أن الأيام لا تدوم على حال، وأن الأمل يستحق أن يعاش.
في مصر، لا تشعر بأنك سائح يعبر مدينة ثم يغادرها، بل ضيف يجد من يفتح له قلبه قبل أن يفتح له بابه، هناك ألفة يصعب تفسيرها، وود يجعلك تشعر بأن المسافة بين الزائر وأهل المكان أقصر مما تتوقع.
عدت من رحلتي وأنا أحمل عشرات الصور، لكن أكثرها رسوخاً في ذاكرتي لم تكن صورة الأهرامات، ولا النيل عند الغروب، ولا قاعات المتحف، كانت وجوه الناس، وكلماتهم الطيبة، وتلك المحبة التي لمستها في كل خطوة.
لهذا، إذا سألني أحدهم يوماً ماذا رأيت في مصر؟ فلن أبدأ الحديث عن الأهرامات، ولا النيل، ولا الآثار، بل سأقول رأيت شعباً يعرف كيف يحفظ الود، ويصون الجميل، ويجعل الزائر يشعر بأنه بين أهله.
فكل المدن تغادرها إلا مصر، فهي تسكنك.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة