لم تكن الغارات الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت مدرج مطار «أبو الظهور» العسكري في شمال غربي سوريا مجرد حدث ميداني عابر ينضم إلى سلسلة الضربات الروتينية، بل جاءت لتكشف عن تحول جوهري في طبيعة التوازنات الإقليمية المتشكلة على الساحة السورية. فالوصول إلى نقطة لا تبعد سوى ثمانين كيلومتراً عن الحدود التركية يحمل في طياته دلالات جيواستراتيجية تتجاوز تفاصيل القاعدة المهجورة، لتفتح باب التساؤلات واسعاً حول حدود قواعد الاشتباك الجديدة بين تل أبيب وأنقرة.
تستند الرواية الإسرائيلية في هذه الضربة إلى ما يمكن تسميته ب«عقيدة المنع»، وهي الاستراتيجية التي باتت تل أبيب تعتمدها بشكل مكثف عقب التحولات الأخيرة في المنطقة، حيث ترى أن أي حضور عسكري تركي متنامٍ أو محاولة لتأهيل القدرات الجوية السورية يشكل خطاً أحمر يتقاطع مع حساباتها الأمنية المباشرة.
في المقابل، تنفي أنقرة هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً، معتبرة أن الضربات تستهدف تقويض مساعي الاستقرار في سوريا ومحاولة لاصطناع ذرائع تبرر خرق السيادة، وتضع تركيا هذه التحركات في سياق الحسابات الانتخابية الداخلية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معلنة أنها «لن تقع في الفخ» أو تنجر إلى صراع مباشر.
وبين طرفي المعادلة، تقف واشنطن في موقع وسيط يحاول إدارة التوتر ومنع انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة بين حليفين رئيسيين في المنطقة، حيث تظهر التحركات الأمريكية، بقيادة المبعوث توم براك، «قلقاً» من احتمال احتكاك غير محسوب، ما دفع الولايات المتحدة للسعي إلى تفعيل آليات خفض التصعيد لعدم خروج الأمور عن السيطرة.
غير أن الواقع الميداني يبين أن أدوات الضبط الإقليمية باتت هشة أمام التقاطع المعقد للمصالح، فالجانب السوري يسعى إلى استعادة بناء مؤسساته العسكرية ودفاعاته الجوية، بينما ترى إسرائيل في هذا المسار، خاصة إذا حظي بدعم إقليمي، تهديداً مستقبلياً لمكتسباتها الأمنية.
وفي ظل هذه التشابكات، تتضاعف صعوبة المهمة أمام السلطات السورية الجديدة التي تحاول تحقيق توازن دقيق بين إعادة تأهيل بنيتها التحتية العسكرية، وبين تجنب الوقوع في أتون صراع إقليمي أوسع. فالرغبة في بسط السيادة وتحديث قدرات الجيش تتصادم مجدداً مع واقع جيوسياسي معقد، تجد فيه دمشق نفسها في مركز تجاذبات قوى إقليمية لا تبدي أي مرونة في التنازل عن مناطق نفوذها.
المشهد السوري اليوم يقف عند مفترق طرق حرج، فالرسائل النارية المتبادلة فوق مطار «أبو الظهور» تظهر أن قواعد اللعبة القديمة لم تعد قائمة، وأن القوى الإقليمية تجري عملية اختبار متواصلة لردود الأفعال ولخطوط التعاطي المسموح بها، ورغم أن القراءات التحليلية ترجح حرص جميع الأطراف على تفادي صدام مباشر غير مسبوق، إلا أن الاستمرار في سياسة حافة الهاوية واختبار النفوذ على أراضٍ لا تزال تشهد إعادة تشكيل لخريطتها السياسية والعسكرية، يبقي احتمال الخطأ في التقدير قائماً، وهو ما قد يدفع المنطقة بأسرها نحو اتساع رقعة عدم الاستقرار.
