الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حول مستقبل الثنائية القطبية

22 أغسطس 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 22 أغسطس 00:01 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يتجدد النقاش الذي طبع تاريخ العلاقات الدولية حول أي النظامين أصلح لاستقرار العالم: نظام القطبية الثنائية الذي عرفته البشرية في محطات تاريخية متعددة، من أثينا وإسبرطة إلى روما وقرطاج، وصولاً إلى الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، أم نظام التعددية القطبية الذي تبدو تتوزع فيه مراكز القوة بما قد يمنع الاحتكار ويحقق توازناً أكثر مرونة؟
تبدو المواجهة الأمريكية - الإيرانية الراهنة اختباراً جديداً لهذه المعادلة. هذه ليست حرباً تقليدية تنتهي بانتصار طرف وهزيمة آخر، بل صراع طويل ومركب، تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والأمن، ويتحرك بين التصعيد والتهدئة، فيما يبقى مضيق هرمز عنواناً دائماً لهذا الاشتباك، بوصفه شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي. وأي اهتزاز فيه سينعكس على المنطقة بأسرها، ولاسيما على الدول العربية المحيطة، ومنها لبنان الذي يدفع، منذ سنوات، كلفة صراعات ليست كلها من صنعه.
عاش الجنوب اللبناني، ومعه الوطن كله، آثار المواجهات العسكرية، فيما بقي اللبنانيون منقسمين في قراءاتهم السياسية وخياراتهم الإقليمية. وفي خضم هذا المشهد المعقد، يبرز سؤال المستقبل:
هل تبقى المنطقة أسيرة منطق الصراع المفتوح، أم أن التحولات الدولية والإقليمية بدأت ترسم مساراً مختلفاً؟
ثمة مؤشرات تستحق التأمل. فالاهتمام الأمريكي المتزايد بلبنان، وزيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن ولقاؤه بالرئيس دونالد ترامب وما تلاه، ليس مجرد محطة بروتوكولية أو غيرها، بل يشكلان مناسبة لاختبار رؤية جديدة لدور لبنان في مرحلة إعادة رسم توازنات الشرق الأوسط.
اللافت أن السياسة كثيراً ما تسبقها الرموز. فمن يتأمل صورة عائلة الرئيس ترامب يرى امتزاجاً إنسانياً بين أصول لبنانية وإسرائيلية عبر المصاهرة، وأحفاداً يجتمع في محيطهم ما فرّقته السياسة والحروب. ليست هذه الحقيقة العائلية مشروعاً سياسياً بحد ذاتها، لكنها قد تحمل دلالة رمزية لافتة: ففي البيت الأبيض يجتمع من لا يزال مستحيلاً في وجدان كثيرين من أبناء المنطقة، وكأن الأجيال الجديدة تقول إن ما تفرقه النزاعات قد تعيد الإنسانية وصله يوماً.
قد يكون المشهد مجرد تفصيل عائلي، لكنه يثير سؤالاً أكبر: إذا كان السلام ممكناً داخل عائلة واحدة، فلماذا يبقى مستحيلاً بين شعوب تتقاسم التاريخ والجغرافيا والمصالح؟ وهل يمكن أن تنتقل المنطقة، ولو تدريجياً، من منطق إدارة الحروب إلى منطق صناعة السلام؟
لا أحد يملك جواباً نهائياً حاسماً. فالطريق ما زال حافلاً بالعقبات، والقضية الفلسطينية، وأمن لبنان، ومستقبل العلاقات العربية - الإسرائيلية، كلها ملفات شديدة التعقيد، ولا يمكن تجاوزها بالتقاربات أو بالرموز وحدها لأن التاريخ معقد ويعلمنا أيضاً أن التحولات الكبرى تبدأ أحياناً بإشارات صغيرة، ثم تتراكم وقد تصبح واقعاً جديداً.
من هنا، فإن زيارة الرئيس جوزاف عون إلى الولايات المتحدة تكتسب أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية. هي فرصة لتأكيد حق لبنان في الأمن والاستقرار، ودعم مؤسساته الشرعية، والسعي إلى حمايته من صراعات المحاور، وإعادته إلى موقعه الطبيعي جسراً للحوار لا ساحةً كبرى للمواجهة.
قد لا يشهد الشرق الأوسط سلاماً شاملاً في المدى القريب، لكن العالم يتغير بسرعة، وما كان يُعدّ مستحيلاً قبل عقود يبدو في حالات كثيرة واقعاً سياسياً، لذلك، يبقى الرهان على الحكمة أكثر من القوة، وعلى الحوار أكثر من السلاح، وعلى بناء الثقة أكثر من تراكم المخاوف. لعل لبنان بتعدديته وتاريخه الصعب ورسالة العيش المشترك التي يحملها، يستطيع أن يكون جزءاً من هذا التحول شريطة النجاح المعقد في توحيد رؤيته الوطنية. لماذا؟
لأن الأوطان لا تُبنى بالانقسامات، والسلام لا يصنعه المنتصرون وحدهم، بل تصنعه الإرادات التي تجرؤ على تخيل مستقبل مختلف، ثم تعمل بصبر لتحويله إلى حقائق في ظلال المستقبل.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة