النفس تتأثّر بالكلمات والصفات التي نصمها بها، مثلما تتأثّر عند سماعها من طرف خارجي يُلقي بكلمات تأنيب ضدّنا، بل إن الكلمات والصفات التي نجلد بها الذات قد تكون أقوى في وقعها، وأكثر تأثيراً في سلبيّتها وتحطيمها للروح المعنوية.
عندما يقوم أحدنا بتنفيذ مشروع ما، ثم لا يُتمّه بالشكل الصحيح أو المطلوب، ويقول: «أنا فاشل»، سيكون لهذه العبارة وقعٌ على روحه المعنوية، ويختلف الحال تماماً لو أنه قال: «لقد أخفقتُ في هذا».
فعندما يقول: «أنا فاشل»، هو يصف نفسه بهذه الحالة، وكأن عمره بأسره في حالة فشل، أما عندما يقول: «لقد أخفقتُ في هذا»، فهو يصف حالة محدّدة لم يُنجزها، ولديه الفرصة لإتمامها والنجاح.
والجانب الآخر، وهو المهمّ، أن الإخفاق هنا جاء في صيغة معلومة وتنبيهٍ إلى أن ما تمّ تقديمه لم يكن بالوجه المطلوب ولا بالمواصفات المحدّدة، وما زال الباب مفتوحاً لتقديم المزيد، وتجويد العمل بمهارة أكبر وتفكير أوسع.
أما صيغة «أنا فاشل»، فهي تعبّر عن عدم الأهلية التامّة لإتمام هذه المهمّة بالشكل المطلوب. والفرق بين الصيغتين واسعٌ وكبير، فصيغة الحكم على الذات تهدم الأساس النفسي وتكسر الطموح، أما صيغة وصف الحدث فتحوّل الإخفاق إلى معلومة يمكن الاستفادة منها، وإعادة المحاولة متسلّحاً بها لتجويد العمل والإتقان.
والفرق بين قول: «أنا فاشل»، وبين قولك: «لقد أخفقتُ في هذا»، ليس في التفاؤل ولا في قوّة الشخصية، بل في منطلق النظر وموضعه: أهو نحو الذات أم يتّجه نحو العمل نفسه؟ والذي نحتاج إليه أن يكون مركّزاً ومنصبّاً على العمل نفسه، دون إقحام الذات.
فالفشل واقع حياتي، ويجب فهمه وقراءته بشكل صحيح، وأجد أن له جانبين اثنين: الأول الفصل بين الشخص والحدث، وهو ما أشرنا إليه سابقًا. وأما الثاني فهو التمييز بين أنواع الفشل، حيث يوجد فشلٌ يكون سببه الإهمال، وهو واضح، وهذا يُلام صاحبه. وهناك فشل بسبب التعقيد وتشابك الأسباب، وهذا يُدرَس ولا يُلام. وهناك الفشل الناتج بسبب التجربة الأولى، وهذا لا يُسمّى فشلاً، بل ثمناً للمعرفة والخبرة.
والحقيقة أن من يخلط بين هذه الأنواع يظلم نفسه في موضع، وقد يعفو عن نفسه في موضع كان أولى بالمحاسبة. علينا جميعاً الفهم والوعي بهذه الأنواع، حتى لا نكسر روحنا المعنوية بأحكام قطعية، ولا نتسبّب للآخرين في الأذى فنحطّم حماسهم وجدارتهم.
