صدمتني مقولةٌ لإحدى الزميلات خلال جلسة ثقافية، طُرحت خلالها عدة أفكار، ومن بينها فكرةٌ تتناسب تماماً معها، عندما قالت: «خلاص راحت علينا». علِقت هذه الكلمات تماماً في ذهني: هل فاعليتنا ومبادراتنا وتأثيرنا محدّدةٌ بعمر؟ هل نتوقّف عن الفاعلية والإبداع لمجرّد أننا وصلنا إلى مرحلة عمرية ما؟ وغيرها الكثير من التساؤلات.
والحقيقة أن مثل هذه الكلمات: «راحت علينا، فاتك القطار، العمر مضى.. إلخ»، جميعها تُعدّ من أكثر الأوهام التي صُنعت، وكانت مضرّةً بكثير من أفراد المجتمعات؛ لأن الحياة وطبيعتها ليست عبارة عن ممرّ أو طريق، بل هي مساحة واسعة للجميع، بغضّ النظر عن الأعمار الزمنية.
بل إنّ كثيراً من المنجزات الشهيرة على مستوى العالم بدأ مبدعوها فيها وهم في سنّ كبيرة، مثل هارلاند ديفيد ساندرز، مؤسّس سلسلة مطاعم كنتاكي للدجاج المقلي، الذي باتت صورته شعاراً للعلامة المنتشرة في مختلف أرجاء العالم. ولا أنسى الروائي العالمي خوسيه ساراماغو، الذي عُرف روائيّاً بعد الستين من العمر، ونال «نوبل» في السادسة والسبعين من عمره. بل المذهل في قصة آنّا ماري روبرتسون، المعروفة باسم الجدّة موزس، وهي رسّامة أمريكية صارت من أشهر فنّاني القرن العشرين، مع أنها لم تحمل الفرشاة إلا وهي في نهاية السبعينيات من عمرها. والروائي العالمي نجيب محفوظ نال «نوبل» وهو في السادسة والسبعين من العمر، بعد أكثر من أربعين عاماً من الكتابة والتأليف في الظلّ.
والعلم والدراسات والبحوث العلمية تؤكّد أن النجاح حليف الخبرة والعمر؛ ففي دراسة أجراها باحثون من معهد ماساتشوستس للتقنية بالتعاون مع مكتب الإحصاء الأمريكي، شملت مئات الألوف من الشركات الناشئة، تبيّن أن متوسّط عمر مؤسّس الشركة الأسرع نمواً هو الخامسة والأربعون، وأن مؤسِّساً في الخمسين يملك فرصة نجاح تفوق ضِعف فرصة مؤسِّس في الثلاثين.
لذا تُعدّ صورةُ الشابّ الذي في العشرين من العمر، الذي ينجح ويتفوّق، استثناءً لا قاعدة. وثمّة بحثٌ آخر لباحثين من هارفارد ومعهد ماساتشوستس، شمل عشرات الألوف من المشاركين، خلص إلى أن قدرات الذهن لا تبلغ ذروتها كلَّها في العمر نفسه؛ فالمفردات ومعرفة العالم وفهم مشاعر الآخرين تستمرّ في الصعود حتى الستينيات وما بعدها. وبطبيعة الحال، كلماتي توعويةٌ بأن الوقت لم يمضِ وما زال لديك ما تقدّمه. فلا يُقال عن النخلة إنها متأخّرة لأنها لم تُثمر في عامها الأول. نحن كذلك؛ لم نتأخّر، وإنما لم يحِن أواننا بعد.
