الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الثوابت والمتغيرات في عملية بناء الاستراتيجيات السياسية

23 أغسطس 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 23 أغسطس 00:07 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يبدو أن استراتيجيات جديدة تُرسم بمناسبة الهياج السياسي والعسكري القائم في المنطقة العربية ومحيطها، أو في الشرق الأوسط، وفقاً للتوصيف الغربي، وغرب آسيا بموجب التسمية التي يعتمدها أقصى الشرق. ويتبلور شكل جديد من التعاون، أو الخصام بين القوى الكبرى وسط فضاء هذا الصراع، ويُفتح دفتر حسابات لتسجيل ما يحصل، والبناء عليه بين الدول المعنية في الإقليم. ويبدو أن ما بعد التوتر والعدوان الذي بدأ منذ أكتوبر 2023، وهو مُستمرّ حتى اليوم، لن يكون كما قبله.
من المؤكد أن الاستراتيجيات السابقة عند بعض دول الإقليم أثبتت فشلها، وهي كانت ولاَّدة حروب واضطرابات، أكثر مما كانت مُنتجة للاستقرار والسلام، ونذكر هنا تحديداً المقاربات الإسرائيلية والإيرانية، وهي متناقضة في الشكل ومتقاربة في المضمون، ولدى كليهما أطماع في الهيمنة على مقدرات الغير، ويملكان رؤية توسعية، تعتمد على الاعتداء على الجيران، والتدخُل في شؤون دول المنطقة، وتوليف البرامج التي تصنع التفرقة والفوضى بهدف بسط نفوذ على أراضي الغير من دون وجه حق.
الاستراتيجية العدوانية الإسرائيلية لا تتعايش مع النظام والقانون، لأنها تنطلق من خلفيات ميثولوجية واهية، وتحلم بتنفيذ مشاريع توسعية كبرى، ليس لها أي أساس منطقي، وهدفها اغتصاب المزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية، وفرض هيمنة تتعارض مع المشروعية الدولية، وهي تعتمد على القوة العسكرية والسيبرانية لتعطيل مبادرات السلام، والتعاون، والإنماء في المنطقة، ولا تتورَّع عن الدخول في حياكة مؤامرات للإيقاع بين الدول العربية وجيرانها لاسيما في إفريقيا - عن طريق الدسائس والمُغريات.
أما الاستراتيجية الإيرانية، فقد اعتمدت نموذجاً «انفلاشياً»، يرفع شعارات الدفاع عن الحقوق الفلسطينية والإسلامية، ويخفي أطماعاً إمبراطورية. وتوضّحت معالم هذا النهج منذ عام 2003، على أقل تقدير، وبدل أن تكون عضداً للدول العربية الجارة في مسيرة بناء الاستقرار والتنمية، والدفاع عن الفلسطينيين المُضطهدين، ومقارعة المشروع الإسرائيلي، قدمت خدمات كبيرة لهذا المشروع، وأعطته الفرص للتمادي في عدوانه. وقد استنزفت هذه الاستراتيجية مقدرات الشعب الإيراني، وعطلت مسارات التقدّم في عدد من الدول العربية، وانتهى بها الأمر الى صِدام مع الجميع، وهذا لا يعني أن الاعتداءات الإسرائيلية عليها كانت مُبررة على الاطلاق، فهي عدوان حصل بعد أن تأكد الإسرائيلي، بوصفه طرفاً ينشد الهيمنة والتوسّع، استحالة التعايش مع طرفٍ آخر يتطلع الى ذات الأهداف.
الهياج العسكري والسياسي القائم في المنطقة يصنع خرائط جديدة، ويُبدّل التوازنات، أو يُخلّ بها. والحرب أثبتت أن الحمايات التي تعتمد على التحشيد الشعبي وعلى البرامج النووية والصاروخية السريّة، لا تصنع استقراراً ولا تقدّماً، وهذا الرأي لا يُبرّر لإسرائيل امتلاك آلة العدوان والدمار النووية وحدها، ولا بدّ من تفعيل مبادرة إخلاء الشرق الأوسط بكامله من الأسلحة النووية، وهذه المبادرة كانت قد طُرحت منذ مطلع القرن الجاري. في المقابل، لا شيء يبرر الهجمات الإيرانية على الدول المجاورة التي ليست طرفاً في الحرب على الإطلاق، بل على العكس من ذلك، فإن الهجمات الإيرانية هي عدوان سافر.
بناء استراتيجيات سياسية جديدة يستند إلى موازين القوى، وإلى الأخذ بالمتغيرات، والاعتراف بفشل المقاربات السابقة، وهذه العملية ليس بإمكانها تجاهل الثوابت والحقوق المتوارثة. ولا بد للقوى الدولية الكبرى، أن تأخذ في الاعتبار مصالح الدول الأخرى في منطقة غرب آسيا، كما أهمية اشراك الشرعية الدولية في توليف أيّ ترتيبات تتعلق بالممرات العالمية، وهذه الثوابت لا يمكن اخضاعها لتسويات آنية تتعلق بمجرى الحرب، أو التنازل عنها كجوائز ترضية، لأن ذلك يُهدّد الاستقرار العالمي برمّته، ويضرب مصداقية القوانيين الدولية.
والجانب الإيراني مُطالب بالابتعاد عن المقاربات التي يلجأ إليها، أحياناً، في ابتزازه للجيران، واستهداف دول مجاورة ليس لها علاقة بالحرب، بينما يتجاهل الرد مباشرة على القوى المعنية بالحرب عليه. ومحاولة استثمار النكبة التي حلّت بإيران للحصول على مكاسب ليست من حقه في مضيق هرمز، وهي محاولة لن يكتب لها النجاح، لأن في هذا المرفق الدولي حقوق للدول المجاورة لا يمكن تجاهلها، وحرية الملاحة فيه تتعلق بالانتظام الدولي العام، وترتبط بها مصالح عالمية، كما هو الحال في الممرات الدولية الأخرى.
أما إسرائيل، فهي مُخطئة إذا اعتقدت أن عمليات القتل ضد الفلسطينيين وضد جيرانها قد تُحقّق لها السلام، على العكس من ذلك، فهي لن تنعم بأي استقرار مع استمرارها في العدوان.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة