بعض الناس يبنون هويتهم من خلال المقارنة بالآخرين، وكأنهم يقومون ببناء شخصيتهم ومستقبلهم على أساس غير صلب. وفي العادة هذه المقارنة السلبية تأخذ أحد شكلين. الأول أن يشعر الإنسان بالضيق مما وصل إليه غيره، فيصرف طاقته في مراقبة الآخرين بدل أن يصرفها في بناء نفسه. والثاني أن يعجب بمسار شخص ما فيحاول أن يعيده كما هو، ينسخ خطواته واختياراته دون أن يسأل إن كانت تناسبه. وكلا الشكلين يبعد الإنسان عن نفسه.
لقد عبّر عن هذا المعنى الفيلسوف الأمريكي رالف والدو إمرسون، في مقالة نشرت له عام 1841م حملت عنوان: «الاعتماد على النفس» ومن خلال جملة موجزة جاء فيها: «الحسد جهل، والتقليد انتحار». وهي عبارة قاسية في ظاهرها لكنها دقيقة في معناها الضمني. فالحسد جهل لأن من يحسد لا يعرف ما يملكه هو ولا يعرف ما يمر به الآخرون، ويقارن بشكل أعمى رغم أن لكل شخص قصته وظروفه. والتقليد انتحار لأن من ينسخ حياة غيره يلغي حياته، ويصبح نسخة باهتة عن شخص آخر بدل أن يبني نفسه ويؤسس مستقبله بشكل صلب وصحيح.
من يعيش على المقارنة، لا يرى الصورة كاملة. إنه يرى النتيجة التي وصل إليها غيره دون أن يرى الظروف التي أوصلته، ولا الثمن الذي دفعه، ولا ما تنازل عنه في المقابل. فيقارن نفسه بصورة ناقصة، ويحكم على مساره بناء على معلومات غير مكتملة. وهذا وحده كاف ليجعل المقارنة هنا معياراً غير عادل، مهما بدت منطقية في لحظتها. هذا الجانب، قد يصلحه مفهوم الاقتداء بالناجحين في نقاط محددة، مثل رؤيتك لمن هو ناجح، فتقوم بدلاً عن تقليده بشكل أعمى، بالسير على خطواته وتأخذ منها ما يناسبك من أفعاله وما ينطبق على حالتك وتقتدي به، دون أن تستنسخ تجربته كاملة وتحاول أن تسقطها على واقعك.
ما يحرر الإنسان من دائرة المقارنات السلبية، أن يحدد معاييره. أن يعرف ما يريده، ويقيس تقدمه بما كان عليه، وليس بما وصل إليه الآخرون. وهذا لا يعني الانعزال عن الناس ولا رفض التعلم منهم، بل أن نأخذ منهم ما يفيد وترك ما لا يناسبنا، وألا نجعل من حياتهم مقياساً لحياتنا. أعتقد أن من يصل إلى هذه المرحلة سيكتشف أن قدراً كبيراً من قلقه، لم يكن نابعاً من نقص يعانيه، بل من مقارنة لم تكن عادلة منذ البداية.
