في مقال أمس، تحت عنوان: «ماذا يقول لك الإخفاق؟»، تحدّثتُ عن الفرق بين «أخفقتُ في هذا» و«أنا فاشل»، وكأن الفرق بينهما تماماً كالفرق بين الطريق والجدار.
لكن الموضوع لا يتوقّف عند ما نقوله لأنفسنا؛ فمعظم ما نردّده على النفس في لحظة الإخفاق هو تلك الكلمات التي سبق أن سمعناها من الآباء أو المعلّمين أو المسؤولين، أو حتى من الأصدقاء ونحوهم. وبالتالي فإن صوتنا الذي نجلد به الذات هو صوتٌ مستعارٌ في عمقه وتكوينه.
لذا علينا جميعاً الوعي والفهم بأن الإنسان عندما يخفق لا يحتاج إلى معلومة؛ فهو يعلم تماماً ما حدث، ويعرف أنه أخطأ. لذا لا تقل له إنه حدث خطأ، وأيضاً لا تهوّن ما حدث. كلّ ما عليك أن تفعله أن تقول كلمات لا تحمل نصيحة، بل تشجيعاً، مثل: «أعرف أنك تعبتَ فيه». مثل هذه الكلمات بطبيعة الحال لا تحمل أي حلول، لكنها ستكون في وقتها تماماً، وكأنها تفعل ما تفعله الحلول؛ لأنها ببساطة تقول له إن جهدك واضح، وإن الإخفاق حدث في المشروع، ليس حكماً نهائياً على قدراته ولا موهبته ولا معرفته.
وما يحدث في كثير من الأحيان هو دمجٌ بين وقت التصحيح والمواساة والتأنــــيب، خاصة في مجال التعلـــــيم والتربية، وأيضاً على مستوى العمل والوظيــــفة. ففــــي بيئة العمل نسمع ونرى موظّفـــــين يذكــرون مديريهم الذين لم تهتزّ ثقتهم بهم لمجرّد الإخفاق في مشروع ما، بل عادوا وكلّفوهم بمشاريع أخرى، ما كان له بالغ الأثر في نفوسهم، ويذكرون تلك المواقف كثيراً بامتنان. والحال على مستوى الأسرة وداخل المنزل قد يكون أهمّ وأخطر، لأن الطفل لا يملك أي قدرة على مراجعة ما يصدر ضدّه من أحكام؛ فهو عندما يسمع كلمات حادّة مثل: «أنت مهمل»، «أنت لا تفهم»، إنما يسمع في الحقيقة تقييماً لجهده واجتهاده، وكأنه تعريفٌ لنفسه يأتي من أهمّ شخصية يعرفها.
والحقيقة البديهية التي نعرفها جميعنا أننا معرّضون للإخفاق خلال مسيرتنا الحياتية، وفي مختلف جوانب الحياة، وأننا سنقف في موضع الإخفاق وننتظر كلمات ممّن يقيّمنا أو يشرف علينا، كلماتٍ تُبقي من كرامتنا. لذا لنقل لغيرنا ما نتمنّى أن يُقال لنا غداً، لأن الكلمة التي تُقال عند لحظة السقوط والإخفاق لا تُنسى وتبقى محفورة داخل النفس، سواء أكانت إيجابيةً أم سلبية.
