في الوقت الذي تتسارع فيه الأيام نحو موعد إجراء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، في الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، وتزداد فيه سخونة المنافسة لاستعادة الأغلبية في الكونغرس من جانب الحزب الديمقراطي المنافس، وعلى الأخص من جناحه التقدمي – الاشتراكي، الذي يتهمه ترامب بالشيوعية، ويعتبره التهديد الأخطر على الولايات المتحدة، تظهر بوادر أزمة لم تكن في الحسبان بين طرفي الكتلة الجمهورية: الرئيس ترامب والحزب الجمهوري، حيث بدأ الجمهوريون يستشعرون خطراً على حزبهم من سياسات وأداء الرئيس، لدرجة اعتبار بعضهم أن ترامب أضحى عبئاً ثقيلاً على الحزب، وهنا يكون السؤال المهم: هل سيخوض الجمهوريون انتخابات التجديد النصفي بمعزل عن مشاركة ترامب لهم في هذه الانتخابات؟، وكيف سيكون أثر احتمال خسارة الجمهوريين للانتخابات في الوضع الرئاسي، وكيف سيحكم الرئيس من دون أغلبية جمهورية، على نحو ما حدث طيلة ما يقرب من عامين من ولايته الثانية؟
لم تعد الأزمة بين الرئيس وحزبه مكتومة على نحو ما كان في الأشهر الماضية، وبالذات منذ تصاعد الرفض الشعبي للحرب الأمريكية على إيران، بعد تزايد حدة الأعباء الاقتصادية لهذه الحرب على الأوضاع المعيشية للأمريكيين، على نحو ما فعل أربعة نواب جمهوريين (3/6/2026) بالوقوف إلى جانب الديمقراطيين في مجلس النواب المطالبين بسحب القوات الأمريكية من الحرب مع إيران، وندّدوا بقول الرئيس مراراً إنه «لا يحتاج إلى إذن من الكونغرس لمواصلة الصراع».
الجمهوريون الذين انضموا إلى موقف المعارضة الديمقراطية في الكونغرس، للمطالبة بوقف الحرب مع إيران، وسحب القوات الأمريكية، كانوا يعبّرون عن رفض مكبوت داخل الحزب لسياسات ترامب، خشية تأثيراتها الشعبية المستقبلية، وعلى الأخص انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، تحسباً لتراجع الدعم الشعبي للحزب، وتداعي كتلته التصويتية التي حققت لهم الأغلبية المطلقة في مجلسي الكونغرس (الشيوخ والنواب)، قبل أقل من عامين، في وقت باتت فيه الإدارة الأمريكية عاجزة عن الدفاع عن قرار الحرب على إيران، والإصرار على مواصلتها، على نحو ما تكشّف من عجز وزير الحرب عن الرد على تساؤل شديد الحرج والخطورة من النائبة الديمقراطية «سارة جاكولس» قالت فيه: «هل يتمتع الرئيس دونالد ترامب بالاتزان العقلي الكافي ليكون القائد الأعلى للقوات المسلحة؟».
الوزير «بيت هيغسيث» لم يستطع الإجابة بـ«نعم» أو «لا»، لكنه لجأ إلى أضعف الإجابات، أي إلى الهروب، ورد بسؤال أثار موجة أعنف من الاستياء داخل قاعة المجلس، عندما سأل النائبة: «هل سألتم عن جوبايدن (الرئيس الديمقراطي السابق) على مدر أربع سنوات؟».
الإجابة عن سؤال النائبة جاءت في أحدث استطلاع للرأي أجرته وكالة «رويترز-إبسوس»، يوم الاثنين 17 أغسطس/آب الجاري، أظهر تراجع نسبة التأييد للرئيس الأمريكي إلى أدنى مستوى منذ توليه الرئاسة، إذ قال 33% فقط من المشاركين في الاستطلاع إنهم يوافقون على أداء ترامـــب، في حين عبّر 64% عن عدم موافقتهم.
الرئيس ترامب، الذي لم يعتد الاعتراف بأخطائه، صدَّر الأزمة إلى الحزب الجمهوري، وحمّله جُل الأخطاء والتراجعات في شعبيته، لدرجة وصلت إلى «تبرؤ» ترامب من الحزب الذي أوصله للرئاسة، والنظر إلى الحزب كـ«عبء» على سياساته وطموحاته، والفصل بين شعبيته الشخصية وأداء الحزب الجمهوري، وفي القلب منه «حركة ماغا»، التي تحمل شعاره الأثير «فلنجعل أمريكا عظيمة مجدداً»، والتي تعامل معها باعتبارها «رأس الحربة» في مشروعه السياسي، الذي أخذ يُعرف بـ«الترامبية السياسية».
ففي تصريحات لافتة لترامب لصحيفة «بانش بول نيوز» (18/8/2026)، أي بعد يوم واحد من نشر نتائج ذلك الاستطلاع للرأي، أكد ترامب أن «الناخبين الغاضبين يُصوبون سهامهم نحو الجمهوريين عموماً، وليس نحوي شخصياً»، وقال: «إنهم غاضبون من الجمهوريين، لكنهم ليسوا غاضبين مني».
محاولة تصدير الأزمة للحزب الجمهوري، لم تكن تُعَبِّر عن واقعها الحقيقي داخل الحزب، وما تحدثه من «ذُعر» لما سوف يحدث عندما يخسر الجمهوريون الانتخابات المقبلة للكونغرس أمام الديمقراطيين. ففي احتفال وداعي بولاية نورث كارولينا للمتحدثة باسم البيت الأبيض، قال ترامب للحضور إنه «خائف من خسارة الجمهوريين انتخابات التجديد النصفي للكونغرس»، وهدّد الحضور بقوله: «لو خسرنا الانتخابات أنتم ستخسرون كل شيء»، وإنه «قد يواجه العزل والمطاردة هو وعائلته» من جانب الديمقراطيين.
الأزمة ليست حقيقية عند الرئيس وحزبه الجمهوري فقط، بل هي مريرة، على نحو ما اضطر تاكر كارلسون أبرز أصدقاء ترامب القدامى، وأقوى الداعمين للحزب الجمهوري على مدى 35 عاماً مضت، إلى إعلانه الانشقاق عن الحزب الجمهوري، وقطع العلاقات مع ترامب، في إشارة مهمة توحي بأن الرئيس ترامب مُعرَّض لانفضاض الكثير من داعميه عنه، والحزب الجمهوري أمام خطر التعرّض لانشقاقات لا تهدّد فرصه بالفوز في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس فقط، بل وتهدد مستقبله.
