ثلاثة أيام فقط فصلت بين اختيار حزب العمال البريطاني لرئيس بلدية مدينة مانشستر الكبرى آندي بيرنهام زعيماً للحزب، وبين اختياره من جانب الحزب رئيساً للحكومة البريطانية خلفاً لرئيس الحكومة كير ستارمر الذي أعلن استقالته بعد أقل من عامين في منصبه، وهو الذي قاد حزب العمال إلى «فوز ساحق» في انتخابات عام 2024، ولكن شعبيته انهارت بعد سلسلة من الأزمات والتقلبات السياسية ظهر فيها عجزه عن إدارتها.
اللافت هنا أن كثافة التهديدات التي واجهت ستارمر داخل الحزب وخارجه تضاعفت، لحظة إدراك الحزب أنه أضحى قادراً على طرح زعيم بديل قادر على إعادة ضبط الأوضاع. وهذا البديل هو آندي بيرنهام عقب نجاحه في تحقيق فوز حاسم في انتخابات برلمانية فرعية، مكنته من الحصول مجدداً على عضوية مجلس العموم البريطاني، ومن ثم أصبح في مقدوره أن يترشح لرئاسة الحكومة خلفاً لرئيسها المستقيل كير ستارمر.
هذه الأيام الثلاثة كانت مُفعمة بالتساؤلات والألغاز التي انشغل بها البريطانيون ومعهم قادة الاتحاد الأوروبي من ناحية، والإدارة الأمريكية ورئيسها دونالد ترامب من ناحية أخرى، حول ما عسى أن يقوم به آندي بيرنهام، سواء على مستوى إدارة السياسة الداخلية في بريطانيا، أوعلى مستوى إدارة علاقات بريطانيا مع كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في مرحلة من أدق وأصعب المراحل في علاقاتهما، في ظل قناعة أوروبية بأن بريطانيا، وخاصة منذ انسحابها من الاتحاد الأوروبي تحت مسمى «البريكست»، محسوبة لصالح الولايات المتحدة. ولذلك كان طبيعياً أن يُطرح سؤال: مع من سيكون آندي بيرنهام مع أوروبا أم مع الولايات المتحدة؟.
الاجتهادات بهذا الخصوص كثيرة ومناهج البحث متعددة، ولكن أكثرها دقة هو قاعدة «ارتباط السياسة الخارجية بالسياسة الداخلية». فهذه المنهاجية ترجح احتمال أن يكون آندى بيرنهام أكثر تشدداً وصلابة في مواجهة الرئيس ترامب، وأكثر ميلاً إلى التقارب مع الاتحاد الأوروبي، في ظل طموح شخصي له، ربما أنه ما زال يراوده، وهو عودة بريطانيا مجدداً إلى الاتحاد الأوروبي، نظراً لأنه، مثل كثير من البريطانيين، يرجعون الصعوبات الاقتصادية وتردي الأوضاع المعيشية إلى انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى عامل آخر لا يقل أهمية هو أن آندي بيرنهام كزعيم عمالي مازالت تسيطر عليه هواجس «الحلم الاشتراكي» الأقرب، حسب المقربين منه، إلى «الاشتراكية الديمقراطية» الأوروبية، في وقت يكره فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أي تيار محسوب على اليسار، أو حتى اليسار الليبرالي ويصفه بـ «الشيوعية».
فعندما سُئل ترامب الشهر الماضي عن آندي بيرنهام، قال إنه «لا يعرف عنه الكثير»، ولكن عاد ليقول: «أرى أنه كان، على ما أعتقد رئيس بلدية»، في ملاحظة مفعمة بالاستهانة بشخص بيرنهام، ثم أضاف: «سمعت أنه ليبرالي للغاية.. وهذا يعني، على الأرجح أنه لن يفتح بحر الشمال لمزيد من التنقيب على النفط، في إشارة إلى قضية مازال ترامب يزعم أنها هي المسؤولة عن سقوط كير ستارمر.
مآخذ مهمة للرئيس الأمريكي على رئيس الوزراء البريطاني السابق، فهل ستحكم هذه المآخذ علاقة ترامب برئيس الوزراء البريطاني الجديد أندي بيرنهام؟ أم أن ترامب سيكون حريصاً على جعل بريطانيا ورقته الراجحة في خلافاته مع دول الاتحاد الأوروبي داخل حلف«الناتو»؟.
الإجابة بالطبع لن يحددها ترامب وحده، لكن أندي بيرنهام ستكون له اختياراته وفق قناعاته السياسية التي تحكمها المصالح البريطانية العليا. ففي خطابه عقب اختياره زعيماً لحزب العمال البريطاني، أعرب بيرنهام عن موقفه المؤيد لقطاع الأعمال، حيث وعد بأهم لحظة تغيير في السياسة البريطانية منذ 40 عاماً. كما أن رؤيته لبريطانيا تستند إلى الدروس المستفادة من إشرافه على النهضة الاقتصادية السريعة لمدينة مانشستر. وهذه الرؤية التي تُعرف باسم «مانشسترية»، هي رؤية اشتراكية تستهدف تسخير الأموال الخاصة والعامة للاستثمار في قطاعات النقل والإسكان والبنية التحتية، وخلق وظائف صناعية جديدة، وفرص تعليمية أفضل، ورغبة في «سيطرة عامة أكبر» على مرافق المياه والطاقة المخصصة في المملكة المتحدة.
أولويات ستحكم أداء أندي بيرنهام في الداخل البريطاني، لكنها في ذات الوقت هي التي ستشكل اختياراته في سياسته الخارجية، ومنها يمكن تفكيك ألغازه التي مازالت غامضة لدى الكثيرين.
