في ظل الإقبال المتزايد على عمليات التجميل، تتقاطع الاعتبارات الطبية مع الأطر القانونية لتشكل معاً ملامح العلاقة بين المراجع والمراكز الطبية، وهي علاقة لا تخلو من تعقيدات قد تتحول إلى نزاعات قضائية حين تغيب الضوابط الواضحة.
تكشف القضايا المنظورة أمام المحاكم عن تباين لافت في الأحكام، تبعاً لطبيعة الاتفاق بين الطرفين ومدى توثيقه وحدود الالتزام الطبي. ففي إحدى القضايا، رفضت المحكمة المدنية في دبي دعوى مراجع طالب باسترداد قيمة عملية تجميل وتعويض إضافي، بعدما تبين أن الاتفاق بينه وبين المركز لم يكن موثقاً، وأن قرار عدم إجراء العملية استند لاعتبارات طبية تتعلق بسلامته.
وفي قضية أخرى، ألزمت المحكمة طبيب تجميل بدفع تعويض لمراجع، بعدما ثبت إخلاله ببنود متفق عليها ومثبتة في عقد واضح، لم يلتزم فيه بالنتيجة أو الإجراء المحدد.
بين هاتين الحالتين، تتضح أهمية التوثيق في تحديد مصير النزاعات، حيث يصبح العقد المكتوب الفيصل في إثبات الحقوق والالتزامات، في حين يضعف الاتفاق الشفهي موقف أحد الأطراف عند التقاضي.
ومن هنا، يفتح هذا التحقيق ملف عقود عمليات التجميل، مسلطاً الضوء على الفروق القانونية بين التوثيق والشفهية، وحدود المسؤولية الطبية، وآليات حماية حقوق المتعاملين في هذا القطاع المتنامي.
سلامة المريض
أكد المحامي موسى العامري أن سلامة المريض تظل المعيار الأعلى الذي يعلو على أي اتفاق سابق، وأن للطبيب أو المركز الطبي الحق في العدول عن إجراء العملية متى تبينت مخاطر صحية، باعتبار ذلك التزاماً مهنياً وقانونياً لتجنب الخطأ الطبي وحماية المريض من مضاعفات محتملة.
موسى العامري
وأشار إلى أن القانون يوازن بين مصلحة المريض ورأي الطبيب من خلال ترسيخ مبدأ الرعاية الآمنة، التي تقوم على الالتزام بالبروتوكولات الطبية المعتمدة وأخلاقيات المهنة، إلى جانب ضمان حق المريض في المعرفة الكاملة بحالته والتفاصيل المرتبطة بالإجراء الطبي.
وأوضح أن رفض إجراء العملية لأسباب طبية، مثل التقدم في العمر أو وجود مخاطر محتملة، لا يعد إخلالاً بالعقد، بل ينظر إليه كإجراء وقائي مشروع ينسجم مع واجب الطبيب في حماية المريض، أما أي تعديل جوهري في نطاق العملية أو مناطق إجرائها فيستوجب الحصول على موافقة جديدة وصريحة وموثقة.
قانون المسؤولية
من جانبه، لفت المحامي عدنان عبيد الشعالي إلى أن عمليات التجميل في الدولة تخضع لإطار قانوني وتنظيمي واضح، في مقدمته قانون المسؤولية الطبية رقم (4) لسنة 2016، الذي ينظم تراخيص المنشآت الصحية ويحدد المعايير والشروط الواجب الالتزام بها من قبل الأطباء والمراكز الطبية، تحت إشراف الجهات الصحية المختصة.
ويبين أن العلاقة بين المريض والمراكز الطبية لا تخرج عن نطاق القواعد العامة في قانون المعاملات المدنية، إلا أنها شهدت تطوراً ملحوظاً في وسائل إثباتها، إذ لم تعد العقود التقليدية الوسيلة الوحيدة، بل أصبحت المراسلات الإلكترونية، والسجلات الطبية والتقارير وحتى التحويلات البنكية، أدلة معتمدة يمكن الاستناد إليها لإثبات وجود اتفاق أو تعاقد.
عدنان عبيد الشعالي
وأكد أن على المتضرر، قبل اللجوء إلى القضاء، التقدم بشكوى إلى لجنة المسؤولية الطبية المختصة، التي تتولى فحص الحالة وتحديد مدى وجود خطأ طبي، حيث إن قرار اللجنة يشكل محطة أساسية في مسار النزاع، سواء بتأييد موقف المريض أو رفضه.
كما أوضح أن للمحكمة سلطة تقديرية واسعة في تقييم الأدلة والقرائن المعروضة أمامها، بما في ذلك الاستعانة بالخبراء وسماع الشهود، للوصول إلى حقيقة العلاقة التعاقدية ومدى التزام كل طرف بتعهداته.
طبيعة مزدوجة
بدوره، بين المستشار القانوني محمد حسين أن عقود عمليات التجميل تتميز بطبيعة مزدوجة، إذ تجمع بين الالتزام ببذل العناية، وفي بعض الحالات الالتزام بتحقيق نتيجة، خاصة في الإجراءات التي يغلب عليها الطابع التجميلي غير العلاجي، وهو ما يجعلها محل تدقيق قضائي خاص.
وأكد أن الفارق الجوهري بين العقود المكتوبة والاتفاقات الشفهية يكمن في قوة الإثبات، حيث يوفر التوثيق الكتابي دليلاً واضحاً وحاسماً يسهم في تسريع إجراءات التقاضي، في حين يؤدي غياب هذا التوثيق إلى تعقيد النزاع وإطالة أمده، نتيجة الحاجة إلى اللجوء لوسائل إثبات أخرى.
محمد حسين
وأضاف أن كشوف الحسابات البنكية والمراسلات الإلكترونية تمثل أدلة يمكن الاستناد إليها، إلا أنها قد تتطلب فحصاً فنياً من قبل خبراء مختصين للتأكد من دلالتها، ما يزيد من كلفة وإجراءات التقاضي على المدعي.
وشدد على أهمية الالتزام بمبادئ «ميثاق المريض»، وضرورة أن تتضمن عقود عمليات التجميل وصفاً دقيقاً للإجراء، وشرحاً وافياً للمخاطر، وموافقة صريحة من المريض، إلى جانب تحديد سياسات استرداد المبالغ، بما يسهم في حفظ حقوق جميع الأطراف والحد من النزاعات مستقبلاً.
العقد شريعة المتعاقدين
أوضح المحامي والمستشار القانوني عمر العوضي، أن الأساس القانوني لمطالبة المراجع باسترداد المبلغ المدفوع يرتكز على أحكام قانون المعاملات المدنية الإماراتي رقم (85) لسنة 1985 وتعديلاته، لا سيما مبدأ تنفيذ العقد بحسن نية وفق المادة (246)، ومبدأ «العقد شريعة المتعاقدين» وفق المادة (267)، حيث يلتزم كل طرف بما تم الاتفاق عليه.
وأشار إلى أنه في حال عدم تنفيذ العملية، فإن ذلك يعد إخلالاً تعاقدياً يجيز فسخ العقد وفق المواد (271–274)، بما يترتب عليه إعادة الحال إلى ما كان عليه، واسترداد المبلغ كاملاً، لافتاً إلى أن الاحتفاظ بالمبلغ دون مبرر مشروع يدخل ضمن الإثراء بلا سبب وفق المادة (318).
وبين أن رفض المحكمة الحكم بالتعويض، رغم سداد المبلغ، قد يعود إلى عدم ثبوت ضرر فعلي، إذ يشترط القضاء أن يكون الضرر محققاً ومباشراً وفق المواد، حيث إن رد المبلغ قد يعد كافياً لجبر الضرر، خاصة إذا كان إلغاء العملية يستند إلى مبرر طبي مشروع أو انتفاء الخطأ وسوء النية أو العلاقة السببية.
عمر العوضي
وشدد العوضي، على أن حماية الحق المالي للمراجع تبدأ من مرحلة التعاقد، من خلال توثيق الاتفاق كتابياً، وتضمين بنود واضحة تنظم حالات الإلغاء والاسترداد، والاحتفاظ بالإيصالات والمستندات، وتوضيح طبيعة المبلغ المدفوع (عربون أو كامل القيمة).
وأكد أن استرداد المبلغ يظل حقاً أصيلاً عند عدم تنفيذ الخدمة، في حين يبقى التعويض مرهوناً بثبوت الضرر.
تقييم طبي شامل
قالت الدكتورة زينة كنيعو، رئيسة قسم التجميل في المستشفى الأمريكي بدبي، إن قرار قبول أو رفض إجراء عمليات التجميل يستند إلى منظومة تقييم طبي دقيقة لا تقتصر على عامل العمر، بل تشمل الحالة الصحية العامة للمراجع وتاريخه المرضي، ومدى ملاءمة الإجراء المطلوب لوضعه الصحي.
وأوضحت أن كبار السن يخضعون لتقييمات أكثر شمولية تتضمن فحوصاً متعددة، تراعي كفاءة الأجهزة الحيوية، ووجود الأمراض المزمنة، والقدرة على تحمل التخدير، إضافة إلى مراجعة الأدوية المستخدمة التي قد يستلزم بعضها الإيقاف قبل الإجراء، فضلاً عن طبيعة العملية ومدى تعقيدها، وعوامل أخرى مثل جودة ومرونة الجلد وقدرته على الالتئام، وذلك لضمان تحقيق أفضل النتائج بأعلى درجات الأمان الطبي.
وأكدت أن التمتع بصحة عامة جيدة يعد شرطاً أساسياً لتقليل احتمالية المضاعفات، وفي حال تبين للطبيب أن المخاطر المحتملة تفوق الفائدة المرجوة.
المخاطر المحتملة
أضافت زينة كنيعو، أن إبلاغ المراجع بعدم إمكانية إجراء العملية، حتى بعد الاتفاق الأولي، يتم بأسلوب مهني قائم على الشفافية، من خلال شرح الأسباب الطبية بشكل واضح، وبيان المخاطر المحتملة، إلى جانب طرح بدائل علاجية أو تجميلية إن وجدت، بما يحافظ على سلامة المراجع ويعزز الثقة بين الطرفين.
زينة كنيعو
وأشارت إلى أن دولة الإمارات تشهد تطوراً ملحوظاً في قطاع التجميل، مدفوعاً بارتفاع الطلب على هذه الخدمات، حيث إن الإحصاءات العالمية تشير إلى تنفيذ نحو 482 ألف إجراء تجميلي سنوياً في الدولة، وفقاً للتقرير العالمي للجمعية الدولية للجراحة التجميلية لعام 2024، الذي يرصد بيانات عام 2023.
تقييم الحالة
من جهتها، قالت رود عبدالقادر، مالكة ومؤسسة مستشفى بيلا روما التخصصي، إن تنظيم العلاقة مع المراجعين يبدأ بجلسات استشارية شاملة يتم خلالها تقييم الحالة وشرح الخيارات والتوقعات بدقة، مؤكدة اعتماد المستشفى على عقود مكتوبة إلزامية توقع بعد التأكد من استيعاب المراجع لكافة التفاصيل، بما يتوافق مع الأنظمة المعتمدة ويدعم الشفافية.
رود عبدالقادر
وأوضحت أن العقود تتضمن بنوداً تفصيلية تشمل وصف الإجراء والمخاطر المحتملة والنتائج المتوقعة، إلى جانب خطط المتابعة والالتزامات المتبادلة، فضلاً عن الجوانب المالية وآليات التعامل مع أي مستجدات، بما يضمن وضوح العلاقة بين جميع الأطراف. وبينت أن أي تفاهمات شفهية تعد مرحلة تمهيدية لا يعتد بها قبل التوثيق الرسمي، حيث لا يتم اتخاذ أي إجراء طبي فعلي دون استكمال كافة المتطلبات القانونية والطبية، حرصاً على دقة القرار وسلامة الإجراءات.
وأكدت أن جميع القرارات الطبية، سواء بالرفض أو التعديل، يتم توثيقها بشكل دقيق في السجل الطبي، مع بيان المبررات العلمية.
تحولات في خريطة عمليات التجميل
كشف التقرير العالمي السنوي للجمعية الدولية للجراحة التجميلية (ISAPS) لعام 2024، الذي يرصد بيانات عام 2023، عن تحولات جوهرية في خريطة التجميل العالمية، مع تسجيل أرقام قياسية في عمليات التجميل واستمرار توسع هذا القطاع.
وبينما حافظت العمليات الجراحية على حضورها، برزت الإجراءات غير الجراحية كخيار متنام بوتيرة أسرع، مدفوعة بالتطور التقني وسهولة الإجراء. وعلى صعيد الدول، تصدرت البرازيل العمليات الجراحية عالمياً، في حين برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كمركز إقليمي متقدم في إجمالي الإجراءات التجميلية، ما يعكس تنامي الطلب في المنطقة.