مهما عملت الإمارات ستبقى تحت الأنظار، فهذا قَدَرُها لأنها اختارت أن تكون ناجحة، وأن يكون لها نموذجها الخاص، وأن تقدم هذا النموذج إلى العالم لأنه أقصر الطرق لتحقيق الازدهار والرفاهية وتحقيق الأفضل.
هذا ليس مبالغة، هذا واقع نعيشه يومياً، فالإمارات تستيقظ صباحاً لتقدم الأفضل لشعبها وأمتها وللإنسانية، تستيقظ على نداء قادتها لترسيخ الأخلاق والمحبة وبناء المجتمع المتماسك والمتعايش مع الآخر، تستيقظ لتضع لبنة جديدة في التنمية المستدامة، تستيقظ لإطلاق مبادرة جديدة من شأنها أن تحقق الرفاهية، وأن تطلق مشروعاً من شأنه أن يعزز تنافسيتها الداخلية والخارجية.
الحقيقة أنه كلما اتسعت التجربة، وتنوَّع حضورها الاقتصادي والسياسي والتنموي، اتسعت معها دائرة الاهتمام، ومعها أيضاً دائرة التشكيك، وهذا طبيعي إلى حد ما، فالنجاح يجذب الأنظار، والدول التي يصبح لها وزن وتأثير لا تبقى بعيدة عن النقد أو المنافسة أو حتى الاستهداف.
لكن ماهو غير طبيعي ما نراه في الفضاء الإلكتروني، من حسابات ومنصات تكاد لا تنام، تترقب كل خبر يتعلق بالإمارات، لا لمناقشته بموضوعية، بل للبحث عن مدخل للهجوم والتشكيك.
المشكلة ليست في النقد، فالنقد مشروع وضروري، ولا توجد دولة فوقه. المشكلة في نقد يعرف النتيجة قبل أن يعرف الواقعة، عندما يكون المطلوب أولاً مهاجمة الإمارات، ثم يبدأ البحث عن الحجة لاحقاً.
ومع التكرار، ينشأ عالم إلكتروني مغلق يعيد إنتاج رواياته حتى تبدو لأصحابها حقائق، لكن مشكلتهم أن العالم الحقيقي موجود خارج شاشاتهم.
عندما تسافر وتلتقي بأناس من مجتمعات وثقافات مختلفة، تكتشف حجم التقدير الذي تحظى به الإمارات وتجربتها، تسمع الحديث عن الأمان والبنية التحتية والخدمات والاستثمار والتكنولوجيا ونوعية الحياة، وعن دولة استطاعت خلال عقود قليلة أن تصبح مركزاً عالمياً للأعمال والتجارة.
وهذه ليست مجرد انطباعات، فالأرقام تتحدث.. اقتربت التجارة الخارجية غير النفطية للإمارات في النصف الأول من 2026 من تريليوني درهم، فيما تجاوزت أصول القطاع المصرفي خمسة تريليونات درهم، ويقترب الناتج المحلي الإجمالي من تريليوني درهم، بينما يسجل القطاع العقاري مئات المليارات من الدراهم في التعاملات والاستثمارات.
الأرقام لا تُذكر للتفاخر، وإنما لأنها تكشف الفجوة بين عالمين: عالم حقيقي يتعامل مع الإمارات ويستثمر فيها ويقيّم تجربتها وفق ما يراه على الأرض، وعالم إلكتروني لا يزال يبحث كل صباح عن زاوية جديدة للهجوم عليها.
فالمستثمر لا يضع أمواله استجابة لخبر أو تغريدة، والشركات العالمية لا تختار مقارها بالمجاملات، وحركة التجارة لا تنمو بالشعارات، المال والاستثمار وقرارات البشر أكثر صدقاً من آلاف الحسابات المجهولة.
عندما كنا نسافر من الإمارات في الماضي، لزيارة دولة متقدمة، كنا نعقد المقارنات تلقائياً: كيف تعمل مطاراتهم؟ كيف تُنجز خدماتهم؟ ماذا لديهم ولا نملكه؟
اليوم تغير السؤال.
في مجالات عديدة، أصبح القادم من الإمارات يقارن ما يجده في مدن عالمية بما اعتاد عليه في بلده، لا العكس. وقد يكتشف أن إنجاز معاملة حكومية، أو استخدام خدمة رقمية، أو المرور عبر مطار، أكثر سهولة وسرعة في الإمارات مما يجده في دول سبقتها بعقود في مسيرة التنمية.
وهذا لا يعني أن الإمارات أفضل في كل شيء، فلا توجد دولة كذلك، لكنه يعني أن تحوُّلاً مُهمّاً حدث: الإمارات لم تعد تحتاج في كل مرة إلى إثبات قدرتها على بلوغ مستويات الدول المتقدمة، ففي مجالات كثيرة أصبحت هي نفسها جزءاً من معيار المقارنة.
ربما هنا تكمن المشكلة لدى من لديه أجندة، فالنجاح البعيد يمكن تجاهله، أما النجاح في الإقليم فمن الصعب تجاهله. والإنجاز العابر يمكن وصفه بالمصادفة، أما نجاح يتراكم على مدى عقود ويظهر في الاقتصاد والعمران والخدمات والحضور الدولي، فإن إنكاره يصبح أكثر صعوبة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تكون الإجابة مطاردة كل حساب أو الانشغال بكل حملة، فأفضل إجابة هي الاستمرار في البناء، مشروع جديد أمام كل محاولة تشكيك، وفرصة جديدة أمام كل محاولة إحباط، وإنجاز جديد أمام كل رواية تريد اختزال التجربة.
الإمارات ليست بلا تحديات، ولا هي فوق النقد، والمنافسة بين دول المنطقة أمر طبيعي، لكن التجني المُبالغ فيه يثير الشفقة، لأنه لم يَعُد مفيداً، فالكل يدرك أن الواقع هو الحكم الفصل وأن الشاشات باتت من الماضي أمام لغة الأرقام، وأن الإنجازات أقوى من الضجيج.
