يعتبر الفضاء المتوسطي من ضمن أبرز المناطق المعنية بانتشار الهجرة غير النظامية على المستوى العالمي، مع تكاثر شبكات تهريب البشر، وتنامي المعضلات الأمنية والسياسية والاجتماعية في عدد من البلدان الإفريقية التي تدفع الأفراد إلى ركوب غمار الهجرة بحثاً عن فضاءات آمنة. وغالباً ما تتحول هذه الرّحلات إلى مآسٍ إنسانية بفعل ظروف التنقل (التعرض للسرقة والعطش والجوع والعنف والاغتصاب..)، أو بسبب الغرق في عرض البحر بمراكب مهترئة تفتقد لأبسط شروط السلامة، ما جعل الكثير من المنظمات الدولية ذات الصلة تدق ناقوس الخطر معتبرة أن حوض البحر الأبيض المتوسط أضحى بمثابة «مقبرة جماعية» للمهاجرين.
في بدايات شهر ديسمبر من عام 2006 دعيت من قبل الراحل نور الدين حشاد نائب الأمين العام لجامعة الدول العربية للمشاركة في مؤتمر فكري دولي حول: «مستقبل الهجرة ما بين سياسة الجوار وسياسة الجدار» نظمه مركز الجامعة العربية بتونس بمشاركة عدد من الباحثين والخبراء من البلدان المغاربية والأوربية، وقد تمحورت أشغاله حول الإشكالات التي تطرحها الهجرة في منطقة المتوسط، وبخاصة على مستوى المفارقات الحاصلة بين الخطاب الأوروبي الداعي إلى الشراكة وحسن الجوار من جهة، والتدابير الأمنية المشددة والقيود القانونية والإجرائية الصارمة فيما يتعلق بإغلاق الحدود التي يتخذها من جهة أخرى.
وقد خلصت أشغاله إلى أهمية تفعيل العمل المغاربي المشترك لإرساء حوار متوازن وموحد حول الموضوع في مواجهة الدول الأوربية، كما تمت الدعوة إلى اعتماد مقاربات «هجروية» تقوم على الشراكة الأورومتوسطية وتعزيز التنمية داخل الدول المصدرة، عوض التركيز على المقاربات الأمنية.
ورغم مرور عقدين من الزمن على هذا الحدث العلمي، ما زال حوض المتوسط يشهد مآسي إنسانية خطِرة بفعل تنامي الهجرة غير النظامية الناجمة تغليب المقاربات الأمنية على حساب الاعتبارات الإنسانية، فتحت ضغط عوامل طاردة، تتلخص في تفشي عدد من النزاعات العسكرية والصراعات السياسية بالإضافة إلى المعضلات الاقتصادية (المديونية والتبعية وضعف الناتج القومي..) والاجتماعية (الفقر والبطالة والهشاشة، وغياب الثقة في المستقبل..)، وعوامل جاذبة، يمكن إجمالها في تمثل الشباب لدول المقصد بوجود فرص العمل، واحترام الحقوق والحريات وسيادة الممارسة الديمقراطية..
قبل أيام انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي أخبار تفيد بصدور حكم قضائي إسباني يمنع «الإعادة الفورية» للوافدين إلى الحدود بحراً نحو بلدانهم، وهو ما حمّس الكثير من الشباب المغربي على ركوب غمار الهجرة غير النظامية، حيث وصل في ظرف قياسي أكثر من 50 ألف مهاجر غير نظامي إلى سبتة ضمن رحلة قاسية خلّفت مجموعة من الضحايا.
إن الصور الصادمة لجموع المهاجرين تدفع إلى طرح كثير من الأسئلة حول الأسباب التي دفعت فئات اجتماعية مختلفة إلى ارتكاب هذه المجازفة الخطِرة التي خلفت عدداً من الضحايا.
إن وقف زحف الهجرة غير النظامية هي مسؤولية مشتركة بين الدول المصدرة وكذا المستقبلة، وإذا كانت الأولى ملزمة بالحد من الإشكالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الذي تغذّي الشعور باليأس والخوف من المستقبل، فإن الثانية مطالبة بإرساء شراكات استراتيجية تتجاوز النظر لدول الضفة الجنوبية للمتوسط مجرد «شرطي مرور»، مع استحضار البعد التنموي والحقوقي للظاهرة، وتقاسم الأعباء لتضييق الخناق على شبكات التهريب والاتّجار بالبشر.
