مع بداية كل عام دراسي، تبدأ مرحلة جديدة في مسيرة بناء الإنسان، وهي المسيرة التي يشكّل التعليم فيها أحد أهم مرتكزات تقدّم المجتمعات واستدامة ازدهارها. وفي قلب هذه المنظومة، تأتي السلامة عنصراً أساسياً لا ينفصل عن جودة البيئة التعليمية، فكلما كانت المدرسة أكثر أمناً وجاهزية، أصبحت أكثر قدرة على أداء رسالتها، وتهيئة الأجواء التي تمكّن أبناءنا من التعلّم، والإبداع، وبناء مستقبلهم بثقة وطمأنينة.
والسلامة المدرسية لا تقتصر على التعامل مع الحالات الطارئة عند وقوعها، بل تبدأ قبل ذلك، عبر فهم المخاطر واستباقها، ورفع جاهزية المنشآت، وكفاءة أنظمة الحماية والإنذار والإطفاء، وفاعلية خطط الإخلاء والاستجابة. فالوقاية الناجحة هي التي تقلّل احتمالات وقوع الحوادث، وتبني منظومة قادرة على التعامل بكفاءة مع مختلف السيناريوهات، وهو ما يجعل الجاهزية ثقافة مؤسسية مستدامة وليست إجراء يرتبط بموسم معيّن.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية أكبر في البيئة التعليمية، لأنها ترتبط بفئة تمثل أهم استثمار في مستقبل الوطن. وحماية الطلبة لا تعني توفير الاشتراطات والتجهيزات اللازمة فقط، بل بناء منظومة متكاملة يكون فيها الإنسان جزءاً فاعلاً من معادلة السلامة. فالطالب الواعي، والمعلم المدرك لمسؤوليته، والإدارة المدرسية المستعدة، جميعهم يشكّلون مع الأنظمة والتقنيات خط دفاع وقائياً يعزز قدرة المدرسة على منع المخاطر والتعامل معها بفاعلية.
ومن هنا، فإن ترسيخ ثقافة الوقاية منذ المراحل الدراسية المبكّرة استثمار طويل المدى في المجتمع. فالطالب الذي يتعلّم اليوم كيف يتصرّف بمسؤولية عند الطوارئ، ويدرك أهمية الالتزام بإجراءات السلامة، ينقل هذا الوعي معه إلى أسرته ومجتمعه وبيئة عمله مستقبلاً. وبهذا المعنى، تتحوّل المدرسة إلى مساحة لا تقتصر على نقل المعرفة الأكاديمية، بل تسهم في بناء جيل أكثر وعياً بالمخاطر، وأكثر قدرة على حماية نفسه والآخرين.
كما أن بناء بيئة تعليمية آمنة لا يمكن أن يتحقق بجهود جهة واحدة، بل يتطلّب تكاملاً مؤسسياً حقيقياً بين الجهات المختصة، والمؤسسات التعليمية، والإدارات المدرسية، والأسر. والتجارب تؤكد أن فاعلية منظومات الطوارئ ترتفع كلما كان التنسيق أكثر رسوخاً، وتوزعت الأدوار بوضوح، وتكاملت الجهود الوقائية والتوعوية والميدانية ضمن هدف واحد هو حماية الأرواح والممتلكات وتعزيز سلامة المجتمع واستقراره.
وفي هيئة الشارقة للدفاع المدني، نعمل وفق هذا المفهوم المتكامل، الذي لا يقيس النجاح بسرعة الاستجابة للحوادث فقط، وإنما بقدرتنا على استباقها والحد من مسبباتها. ولهذا، تتكامل جهود الجاهزية والتفتيش والتوعية والتدريب والشراكات المؤسسية ضمن منظومة واحدة، هدفها رفع مستوى الوقاية وتعزيز قدرة المجتمع ومؤسساته على التعامل مع المخاطر بكفاءة، بما يدعم جودة الحياة ويواكب مسيرة التنمية المستدامة.
مع انطلاق عام دراسي جديد، تتجدد أمامنا فرصة لترسيخ هذا المفهوم، وتحويل السلامة إلى قيمة أصيلة في حياة أبنائنا ومؤسساتنا التعليمية.
* المدير العام لهيئة الشارقة للدفاع المدني
