الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

عجز الحروف أمام غول الاستيطان

30 أغسطس 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 30 أغسطس 00:08 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
هل يمكن لبيان استنكار صادر عن بروكسل أو حتى واشنطن أن يوقف جرافة إسرائيلية على أرض الواقع؟ إذا كانت الإجابة الحاسمة هي «لا»، فلماذا تستمر المنظومة الدولية في اتباع الأسلوب ذاته منذ عشرات السنين؟
تكشف هذه المفارقة أن البلاغة الدبلوماسية لم تعد مجرد قصر نظر سياسي، بل تحوّلت إلى أداة تكتيكية تمنح المشروع الاستيطاني الإسرائيلي الوقت الكافي لفرض أمر واقع جديد على الأرض، فبدلاً من تشكيل ضغط رادع، تصبح هذه التصريحات الشكليّة غطاءً يتيح استكمال اقتطاع الأراضي وتفتيت الجغرافيا الفلسطينية من دون خشية من تبعات حقيقية.
تكمن الخديعة الأساسية في طريقة تعاطي المنظومة الدولية مع ملف الاستيطان، حيث يُختزل التوسع الدائم في كل مشروع جديد باعتباره حدثاً منفصلاً، أو «تطوراً مؤسفاً»، أو مجرد خطأ إداري في التخطيط.
هذا التبسيط المتعمد يتجاهل الحقيقة الهيكلية الواضحة أن الاستيطان ليس مجرد بناء منازل أو توسيع أحياء، بل هو أداة مركزية في مشروع استعماري إحلالي متكامل يهدف إلى قضم الأراضي، وتفتيت الجغرافيا الفلسطينية، وتغيير المعالم الديمغرافية بشكل نهائي يمنع قيام أي دولة فلسطينية قابلة للحياة.
تلك الفجوة الحادة بين الواقع والدبلوماسية تتضح عندما يقف القادة الإسرائيليون علناً ليعلنوا التزامهم الصريح ب «رؤية أرض إسرائيل الكبرى»، وتوسيع السيادة على كامل الضفة الغربية.
في المقابل، تتجنب العواصم الغربية مواجهة هذه التصريحات المباشرة، وتصرّ على استخدام مصطلحات مائعة تُصور الأزمة وكأنها نزاع على حدود قابلة للتفاوض، بدلاً من كونها سياسة اقتلاع ومصادرة مُمنهجة، ما يمنح السياسات الاستيطانية غطاءً زمنياً تكتيكياً لفرض أمر واقع جديد على الأرض.
غياب العقوبات الملموسة أو الخطوات الإجرائية الرادعة يفرغ الإدانات الدولية من أي مضمون، ويحوّل الدبلوماسية الغربية إلى شريك غير مباشر في توفير الحصانة لسلطات الاحتلال، فالسياسة التي لا تُربك ميزانيات الاستيطان، ولا تُفرض بموجبها حظر على منتجات المستوطنات، ولا تُهدد المصالح الاقتصادية والدبلوماسية لإسرائيل، تُقرأ عملياً هناك كضوء أخضر لمواصلة البناء وتجاهل القانون الدولي من دون الخوف من أي تبعات حقيقية.
ويظهر هذا العجز الدبلوماسي جلياً في الاكتفاء بقرارات رمزية، إذ إن التلويح الشكلي بحظر بعض المستوطنين الأفراد يتجاهل البنية المؤسسية الداعمة للتوسع، فمن دون فرض مراجعة شاملة للاتفاقيات التي تغذي مشروع الاستيطان، وتفعيل المحاسبة القضائية أمام المحاكم الدولية لفرض كلفة سياسية واقتصادية حقيقية، ستظل هذه المواقف مجرد تجميل للواقع.
في النهاية، يظل الاقتصار على توصيف الاستيطان ك«عقبة في طريق السلام» مجرد هروب من المسؤولية الأخلاقية والقانونية الواجبة على المجتمع الدولي.
ساحة الاستيطان لن تشهد حتماً أي تغيير ملموس إلا عندما تتوقف العواصم الغربية عن استخدام بيانات الاستنكار كوسيلة لامتصاص الغضب الشعبي، وتمتلك الجرأة لتسمية الأشياء بأسمائها والتعامل معه باعتباره جريمة استعمارية مستمرة تستوجب المساءلة والمحاسبة، لا مجرد توجيه النصائح والدعوات الجوفاء لضبط النفس.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة