منذ أمس صار طعم الأيام مختلفاً، لم يرتد الأطفال الزي المدرسي وحدهم بل شعرنا جميعاً كأننا نلبس نفس الزي ونتهيأ مثلهم لاستقبال العام الجديد والذهاب للقاء الأصدقاء والمعلمين في أول يوم دراسي، حتى الفصول بتنا نشعر بأنها تبدأ وتنتهي وفق رزنامتهم وجدولهم، فالصيف انتهى بالنسبة لنا قبل أن يُعلن الخريف مولده في الثاني والعشرين من سبتمبر.
عادوا إلى المدرسة وعدنا معهم بمشاعرنا وبتبديل طقوس حياتنا ومواعيدنا، والشوارع ارتدت زيها الأصفر بتوافد الحافلات وحركة السير التي لا تهدأ منذ الصباح الباكر.. كل الناس يضبطون مواعيدهم على جرس المدرسة ولا يقتصر الأمر على أولياء الأمور فقط، مواعيد العمل تكون مرنة في اليوم الأول، تعاوناً مع الأهالي الذين يرافقون أبناءهم إلى المدرسة ذهاباً وإياباً، وتفهماً لطبيعة الحركة والزحام والارتباك الذي قد يحصل قبل أن تستعيد الحياة روتينها ويستعيد الطلاب نشاطهم والتزامهم وفق إيقاع الدراسة بعيداً عن كسل الإجازة والصيف..
تفرحنا عودة الطلاب إلى المدارس، ويفرح الطلاب ببدء عام جديد واجتياز مرحلة تعليمية جديدة يكبرون فيها ومعها ويزدادون وعياً ومعرفة، لكن وسط هذه الاحتفالية ببدء العام الجديد يكون دائماً هناك من يشعر بخوف وقلق، ومن يقف صامتاً متظاهراً بمشاركة الآخرين فرحتهم وثرثرتهم بالحديث عن إجازتهم وما فعلوه خلال الصيف، بينما في أعماقه شيء من الحزن يعجز أو يخشى الإفصاح عنه. هؤلاء ليسوا أطفالاً ولا طلاباً كسالى ولا فشلة، لذلك يشعرون بالقلق من العودة إلى المدرسة، هؤلاء يحملون الكثير من مشاعر التعلّق بالأهل والارتباط بالبيت والأسرة الذي يشعرهم في قرارة أنفسهم بالأمان والاستقرار، لذلك تُشكل لهم بداية العودة إلى المدرسة إحساساً بالقلق من مواجهة مرحلة دراسية جديدة وفصل جديد ومدرسين جدد، وربما زملاء جدد.. فهل ينتبه الأهل إلى هذه المشاعر الحساسة ويتعاملون معها بوعي وفهم؟
المؤسف أننا نرى الكثير من الأهالي يتعاملون مع هؤلاء الأطفال بشيء من القسوة أو الاستخفاف والسخرية، ويستهينون بتلك المشاعر فيزيدون من مساحة الصمت التي يخلقها الطفل لنفسه ويضطر معها إلى إخفاء قلقه خوفاً وخجلاً وهرباً من تنمر الأهل والأصدقاء.. بداية العام الدراسي تتطلب استيعاباً لكل طالب وفق حالته النفسية وظروفه خصوصاً لمن يعانون مشاكل صحية، مع فارق أن كل مشكلة صحية تكون ظاهرة ومعلنة بينما المشكلة النفسية تبقى مخفية وليس من السهل الإفصاح عنها أو حتى الانتباه لها ومعالجتها.. وحين يتم استيعاب القلق الذي يعانيه أي طفل، ويجد في البيت وفي المدرسة مصدر الطمأنينة الذي يدفعه إلى كسر الصمت والخوف والتغلب عليه، يصبح للعودة إلى المدرسة طعم الفرح لدى الجميع.
