')
الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الغباء العاطفي وموت الآخر

25 أغسطس 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 25 أغسطس 00:01 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لست في معرض قول ما قيل عن الغباء العاطفي بوصفه حالة نفسية بل هو نمط وجود، وعكسه الذكاء العاطفي، وهما مصطلحان مرتبطان، كما أرى، بمفهومي الخير والشر.
يشير مفهوم الذكاء إلى قدرات متعددة عند الإنسان: المحاكمة العقلية، والاكتشاف، والتلاؤم، وحل المشكلات. وقد اغتنى هذا المفهوم بمفهوم الذكاء العاطفي، بوصفه شكلاً من أشكال الحضور الإنساني الإيجابي في العلاقة بالآخر ولهذا فهو ينتمي إلى عالم القيم الإيجابية.
فالذكاء العاطفي هو القدرة على التعاطف، والاحترام، والصداقة، والتعاون، والنجدة، والإيثار؛ وهي قيم يكتسبها الإنسان بالثقافة والتربية والتجربة المعشرية. فالإنسان لا يولد محباً أو كارهاً بالمعنى القيمي، بل يدخل عالماً من القيم يتعلم فيه كيف يرى الآخر ويشعر نحوه. ولهذا فالعاطفة ليست مجرد انفعال طبيعي، بل هي أيضاً ثمرة من ثمرات الثقافة.
وعكس الذكاء العاطفي الغباء: الحقد والكراهية والتشفي بعذاب الآخر، والشماتة بمصائبه، واللامبالاة بموته،، فهو ينتمي إلى القيم السلبية. غير أن الغباء العاطفي، في صورته القصوى، ليس مجرد نقص في التعاطف، بل انقلاب في سلم القيم: فالألم الذي يجب أن يثير الشفقة يصبح باعثاً على الفرح، والموت الذي يستدعي الحزن مدعاة للشماتة، والمصيبة التي تستدعي النجدة مناسبة للتشفي.
هنا لا نكون أمام غياب القيم فقط، بل أمام القيم الشريرة؛ أي القيم التي تمنح الشر معنى إيجابياً في وعي صاحبها: القتل بطولة، والقسوة قوة، والانتقام عدالة، والإذلال انتصار، وموت المختلف مدعاة للسرور. وأخطر ما في الشر ليس ارتكابه، بل تحوله إلى فضيلة يُفتخر بها.
ويغدو الغباء العاطفي أشد خطراً حين ينتقل من الفرد إلى الجماعة؛ لأن الجماعة المصابة به لا تعود ترى في الجماعة الأخرى بشراً جديرين بالتعاطف. ومن هنا تبدأ عملية موت الآخر.
فالقتل الواقعي للآخر يسبقه قتل رمزي: احتقاره، وتجريده من قيمته، ونزع صفته الإنسانية عنه. وحين يموت الآخر في الوعي يسهل موته في الواقع.
والمحتل والعنصري من أوضح نماذج الغباء العاطفي؛ فكلاهما لا يستطيع ممارسة فعله إلا بعد أن يقتل في ذاته الشعور بإنسانية الآخر.
فالمحتل، كي يحتل أرض الآخر، يحتاج أولاً إلى صورة تجعل المحتل أقل استحقاقاً للأرض والحرية والحياة. ولهذا فالاحتلال ليس احتلالاً للأرض فقط، بل احتلال للوعي بالقيم الشريرة. أرض الآخر تصبح «أرضي»، ومقاومته لاستعادة حريته تصبح جريمة، فيما يتحول عنف المحتل إلى دفاع عن النفس. وهكذا تنقلب القيم: المعتدي ضحية، والضحية معتدٍ، والاحتلال حق، والتحرر جريمة.
والعنصري من البنية العاطفية نفسها. فهو لا يرى الإنسان ثم يرى اختلافه، بل يرى الاختلاف فيختفي الإنسان وراءه. يرى اللون أو العرق أو القومية أو الدين أو الأصل، ولا يرى الذات الإنسانية. فالعنصرية، في جوهرها، إلغاء لفكرة الإنسان الكلي وتقسيم للبشر إلى مراتب في القيمة.
ويلتقي المحتل والعنصري في نزع إنسانية الآخر: الأول يقول إن حقي في أرضه أعلى من حقه، والثاني يقول إن قيمتي أعلى من قيمته لأن انتمائي أعلى من انتمائه. وكلاهما لا يستطيع ذلك إلا بإلغاء مبدأ المساواة الإنسانية.
غير أن الأخطر هو انتقال الغباء العاطفي من الفرد إلى المؤسسة. فالاحتلال الطويل يحتاج إلى ثقافة تبرره، وخطاب يشرعنه، وذاكرة تمجد آلام الذات وتمحو آلام الآخرين. والعنصرية تحتاج إلى لغة وصور نمطية وحكايات ومؤسسات تعيد إنتاج وهم البشر الأعلى والبشر الأدنى. وعندها تتحول القسوة إلى مؤسسة، والكراهية إلى خطاب، والتمييز إلى ممارسة مستقرة، ويكتسب الشر مظهر العقل والمعقولية.
وأخطر انتصار يحققه المحتل ليس احتلال الأرض، بل إقناع ذاته بأن صاحب الأرض لا يستحقها، وأخطر انتصار تحققه العنصرية ليس التمييز، بل إقناع العنصري بأن التمييز حق. فالشرير لا يمارس الشر دائماً وهو يقول: أنا شرير. إن أخطر الشرور هو الشر الذي يمارسه صاحبه مقتنعاً بأنه على حق.
والسلطة المستبدة تجد في الغباء العاطفي ضالتها أيضاً؛ لأنها لا تستطيع أن تحكم مجتمعاً متعاطفاً زمناً طويلاً. إنها تحتاج إلى إنتاج الكراهية، واختراع العدو، وتقسيم البشر إلى «نحن» و«هم». فالتعاطف يوحّد الضحايا، أما الكراهية فتجعل الضحايا يتقاتلون فيما بينهم.
ولهذا فمقاومة الغباء العاطفي ليست تهذيباً فردياً وحسب، بل مسألة أخلاقية وثقافية وسياسية؛ إنها دفاع عن حق الآخر في أن يكون آخر، وعن حق المختلف في الحياة، وعن الإنسان بوصفه قيمة لا تتوقف على هويته أو انتمائه أو معتقده.
فالذكاء العاطفي ليس أن تحب من يشبهك، فهذه غريزة الجماعة، بل أن تعترف بإنسانية من لا يشبهك. أما الغباء العاطفي فهو أن تعجز عن رؤية الإنسان في المختلف، فيتحول اختلافه إلى مبرر لكراهيته، ثم لإيذائه، وربما لقتله.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة