الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

فلسفة الشطرنج ودلالته الواقعية

11 أغسطس 2026 00:06 صباحًا | آخر تحديث: 11 أغسطس 00:06 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
أصدر مستشار الأمن القومي في فترة جيمي كارتر، زبغنيو بريجنسكي، كتاباً بعنوان «رقعة الشطرنج الكبرى» عام 1997، وتُرجم إلى العربية عام 1999. يستخدم بريجنسكي الشطرنج لشرح صراع أمريكا للهيمنة في إطار العلاقات الدولية آنذاك.
فالعالم بمثابة رقعة شطرنج، وجميع الدول قطع على هذه الرقعة، باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية، فهي اللاعب «العقل» الذي عليه أن يدير اللعبة.
الأطروحة المركزية لكتاب «رقعة الشطرنج الكبرى» هي: كيف للولايات المتحدة أن تحرك قطع الشطرنج بما يحقق شروط هيمنتها، وتفوقها العالمي، من دون أن ينسى أن هناك لاعبين واقعيين وممكنين على الرقعة نفسها.
لقد أوحى لنا هذا الكتاب بما يتجاوز ما عرضه بريجنسكي، على أهميته. فالشطرنج هو صراع بين قوتين متكافئتين في القوة والعدّة، لكنهما مختلفتان في العقل والإرادة.
أجل، تُعد لعبة الشطرنج لعبة ذات طابع حربي رمزي، تقوم على محاكاة صراع منظّم بين جيشين متكافئين، كما قلنا. غير أن هذا التكافؤ المادي يجعل الحسم فيها مرهوناً بالتفوق العقلي والاستراتيجي للاعب، لا بعوامل القوة الخام، أو المصادفة وحدها. فهي، في بنيتها العميقة، مواجهة بين عقلين يدير كلٌّ منهما منظومة متكافئة من الإمكانات، الأمر الذي يجعلها نموذجاً لتجلي العقل بوصفه مصدر الفعل الحاسم، في تحقيق النصر أو الهزيمة.
لكن إذا تصورنا، مع بريجنسكي، أن هناك صراع قوى على رقعة الشطرنج، فلا يمكن أن يكون لهذا الصراع معنى في غياب التكافؤ في العدّة والقوة. وعندها، فالعقل وحده لا يكفي لحسم الصراع.
وهناك فكرة مهمة أخرى. لقد ابتكر مبدع لعبة الشطرنج قواعد لحركات جميع القطع، وقاعدة فريدة تتيح للبيدق، إذا بلغ الصف الأخير وكان الوزير مقتولاً، أن يتحول إلى وزير، فيرتقي من أدنى مراتب القطع إلى أرفعها، أو إلى حصان، أو قلعة، أو فيل. غير أن مبدع اللعبة لم يتخيل، قط، أن يحدث العكس، فلم يسمح للملك أن يتحول إلى بيدق، ولا إلى أيّ قطعة أخرى، حفاظاً على كرامة مقامه ووظيفته. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الوزير، والقلعة، والحصان، فلكل قطعة مكانتها التي لا يجوز أن تهبط عنها.
حتى في لعبة غايتها التسلية، أدرك مبدع الشطرنج أن للمقامات كرامة ينبغي صونها، وأن الارتقاء ممكن، أما الانحدار فإهانة لقيمة المقام نفسه.
فإذا كان هذا شأن لعبة، فكيف بالأوطان؟ وكيف بالدول؟ وكيف بمن يمثل سيادتها وكرامتها؟
تتجلّى الكرامة الوطنية في ما يرفض الوطن أن يتنازل عنه من مكانة. فالأمم التي تقبل أن تهبط من مقام الندّ إلى مقام التابع، ومن موقع السيد إلى موقع المستجدي، تشبه ملكاً رضي أن يتحول إلى بيدق. وما إن يحدث ذلك حتى تخسر أكثر من موقعها، تخسر كرامتها أيضاً.
الشطرنج ليس فلسفة حرب، بل فلسفة عقل. فالحرب ليست سوى المناسبة التي يظهر فيها العقل بوصفه قوة مبدعة للنظام. ولذلك، فإن القطع ليست أشخاصاً، بل هي تمثلات لمقامات الوجود السياسي.
ولهذا ربط مبدع لعبة الشطرنج بين الواقع الموضوعي، وهو رقعة الشطرنج وقطعها ونظام حركاتها، من جهة، والواقع الذاتي العقلي، من جهة ثانية. ولكنه رفع من شأن العقل بوصفه اللاعب الأساسي في تقرير النصر والهزيمة.
لكن بريجنسكي، الذي عنون كتابه «رقعة الشطرنج الكبرى»، أراد أن يكون هناك لاعب واحد على هذه الرقعة، التي هي العالم، بخاصة العالم الأوراسي.
ولهذا يرى بريجنسكي أن التفوق الأمريكي العالمي مرتبط ارتباطاً مباشراً بالطريقة التي تدير بها الولايات المتحدة علاقاتها مع القوى الأوراسية الكبرى، لا سيما أوروبا، وروسيا، والصين، واليابان، والهند، ومنع أيّ وجود للاعب يمتلك القوة، والعدّة، والعقل، يمكن أن يحول دون تحكم لاعب واحد في رقعة الشطرنج، هو أمريكا.
فالعالم كله رقعة شطرنج، والآخرون قطع على هذه الرقعة، لكن أمريكا ليست عقلاً فقط، بل هي العقل الذي ينطوي على القوة والعدة الأبرز في العلاقة مع القطع الأخرى.
المشكلة تكمن في أنه لا يمكن تخيل لعبة الشطرنج بلاعب واحد على الرقعة وقِطعها. فصراع الإمبراطوريات، تاريخياً، هو صراع بين عقلين وقوتين، أو أكثر. فالحيلولة دون وجود خصم على رقعة الشطرنج أمر غير واقعي.
لكن الهبل التاريخي يكمن في وجود قطعة على رقعة الشطرنج لا تملك العقل ولا العدّة، وتظن أنها لاعب على الرقعة في مواجهة عقل إمبراطوري، وقوة إمبراطورية.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة