الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الإمارات تعيد للبنان حلم اليوم التالي

4 سبتمبر 2026 00:31 صباحًا | آخر تحديث: 4 سبتمبر 00:32 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
من حرب أهلية، إلى اجتياحات، واحتلال، واغتيالات، ثم انفجار مرفأ بيروت، تبعه انهيار مصرفي وسقوط الليرة، وتجميد ودائع الناس، وهجرة الكفاءات، وشلل المؤسسات، وهجرة المستثمرين. ثم الحروب التي أعادت إلى اللبنانيين المشهد الذي عرفوه أكثر من مرة.. الدمار الذي يحوّل المدن والقرى إلى كومة حجارة.
الحرب الأخيرة أضافت إلى المأساة اللبنانية مفهوماً أشد خطورة «عقيدة الركام»، وهو التعبير الذي استخدمه الباحث الأمريكي ناثان ج. بروان في مقال بعنوان «الركام عقيدة إسرائيل». كما تباهى وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس بأن «عقيدة الركام» التي اتُّبِعت في الحرب الأخيرة وهدفها جعل اليوم التالي حرباً اقتصادية أخرى لا تقل وجعاً عن الحرب العسكرية.
وفي اللحظة التي يبدو فيها لبنان مُثقلاً إلى حد العجز بتراكم الانهيارات الاقتصادية، وخوف حرب اليوم التالي، تأتي إشارة مختلفة من دولة الإمارات، لا من باب المساعدات وحدها. بل من باب الاستثمار وإعادة بناء الثقة والاقتصاد.
ففي أغسطس/ آب 2026 وصل إلى لبنان وفد يضم 80 من القيادات ورجال الأعمال الإماراتيين بالتزامن مع إنشاء مجلس أعمال لبناني-إماراتي والعمل على «خريطة طريق استثمارية» تشمل القطاعات: اللوجستيات، والزراعة والطاقة والطيران، السياحة. في خطوة تحمل دلالة كبيرة لبلد ما زال يعاني فوق ركام أزماته القديمة. بلد يحمل على ظهره انهياراً مالياً بدأ عام 2019، وأزمة مصرفية لم تُحل، وودائع لا يزال أصحابها يكافحون للوصول إليها. وديناً عاماً غير قابل للاستدامة، ومؤسسات أنهكتها سنوات من الشلل.
وجاءت الحرب بعقيدتها الجديدة، «عقيدة الركام»، الركام هنا لم يكن في الحجارة فقط.. الركام في البطالة، والمتاجر المغلقة والطرقات المهدمة الركام في يأس مزارع من الوصول إلى أرضه، الركام في عائلة تنفق مدخراتها على الإيجار لأنها فقدت منزلها. الركام في عجز الدولة عن إعادة الإعمار، والركام في أزمة النازحين.
ووفق بيانات البنك الدولي فإن الأضرار الناتجة عن الحرب بلغت 7.2 مليار دولار بينما قدرت احتياجات التعافي بنحو 11 مليار دولار. هذا غير البِنى التحتية التي أصيبت والمباني الأساسية المرتبطة بالنقل والطاقة والصحة والتعليم والخدمات البلدية. البنك الدولي يُحذر من آثار طويلة المدى واحتمال هجرة المزيد من أصحاب المهارات، وكلها عوامل يمكن أن تضرب القدرة الإنتاجية لسنوات مقبلة.
وسط هذا المشهد القاسي تكتسب الخطوات الإماراتية تجاه لبنان أهمية تتجاوز قيمتها الاستثمارية المباشرة. الإمارات تعرف أخطار الاستثمار في لبنان، وتعرف أدق تفاصيل الانهيار الاقتصاديّ الذي يعانيه هذا البلد، وتعرف تجارب المستثمرين الذين عانوا في السنوات الماضية. ومع ذلك بدأت الإمارات بالتحرك، ففي نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 شاركت الإمارات في مؤتمر «بيروت واحد» الهادف إلى دعم الاقتصاد والاستثمار في لبنان، مؤكدة عمق الروابط بين البلدين. واليوم تكتسب العلاقات زخماً أكبر حيث رُفعت قيود السفر إلى لبنان في إشارة إلى تجدد الثقة بأمنه.
وحينما يزور وفد اقتصادي إمارتي كبير لبنان ويضع خططاً استثمارية في قطاعات حيوية وهي القطاعات التي يحتاجها البلد ليتجاوز أزماته الكثيرة، فهذا يعني إعادة ربط لبنان بالعالم وإعادة الأمل بحلم اليوم التالي. حينما يعود الاستثمار إلى بلد مُنهَك فهذا يعني بقاء المهارات الإنتاجية اللبنانية التي ستجد وظيفة تُغنيها عن الهجرة. وهذا يعني ثقة دولة الإمارات بمقدرة الشعب اللبناني على إعادة بناء اقتصاده إذا ما أتيحت له الفرصة.
يجدر بنا هنا أن نذكر أن الإمارات ليست وافداً جديداً إلى لبنان، فهي لا تبدأ من الصفر. فالبيانات الرسمية لسفارة الإمارات كانت المصدر الرئيسي للاستثمارات العربية الواردة إلى لبنان بين عامي 2003 و2016 بقيمة 7.8 مليار دولار. كما بلغت الصادرات الإماراتية إلى لبنان 132 مليون دولار في أول شهرين من 2025، مقابل واردات لبنانية إلى الإمارات بنحو 69 مليون دولار. إذاً ما يحدث ليس جديداً، لهذا فقيمة العودة لا تقاس بالمليارات التي ستدخل لبنان، بل بالثقة التي تأتي وسط يأس الكثير من البلدان الأخرى من تعافي لبنان.
الإمارات كان جوابها: «نعم.. لبنان سيتعافى». وهنا تقع مسؤولية الدولة اللبنانية. لبنان يحتاج إلى إعادة الثقة في دولة تقول للمستثمر إن أمواله مَحميّة، وللمواطن إن مدخراته لن تختفي، وللشاب إن مستقبله لا يبدأ في المطار، وللنازح إنه سيعود وإن حلم اليوم التالي سيكون الأجمل.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة