الاشتقاق الواسع والغزارة اللغوية وكثافة المفردات، هي من الميزات التي تختص بها اللغة العربية أكثر من غيرها من لغات العالم المعروفة، وربما هذا ما يفسر ثباتها منذ أكثر من أربعة عشر قرناً. إن هذه الميزات تحفز دائماً المثقفين والنقاد والمختصين لتأمل هذه اللغة التي تستطيع من خلال ما فيها من شعرية أن تترجم أدق المشاعر والأفكار الإنسانية بكلمات قليلة. هذا الإيجاز وهذه الكثافة جعلاها من أبرز اللغات التي تسهم في التبادل الثقافي والمعرفي، بما تتمتع به من قدرة على التصوير والإيحاء. من هنا، يمكن أن نربط بينها وبين الشعر بوصف «ديوان العرب» حافظاً على هويتها وموروثها عبر العصور.
ومن هنا، أيضاً نعرف كيف أن الإمارات تقود الكثير من المبادرات التي تعزز حضور العربية من خلال مهرجانات وملتقيات الشعر في دول العالم، ومنها القارة الإفريقية بإشراف دائرة الثقافة بالشارقة، وبرعاية ودعم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.
نعم، نجحت إمارة الشارقة من خلال ملتقياتها في مالي، والسنغال، ونيجيريا، وتشاد وجنوب السودان والنيجر وغينيا وساحل العاج وبنين في جعل لغة الضاد متداولة وشائعة هناك، فانتقلت هذه اللغة من فضاء استخدامها اليومي إلى لغة فصيحة في المنظور البحثي، ما يعني أن تلك الملتقيات قد أسهمت في إتاحة فضاءات رحبة لاكتشاف وتدريب مئات الشعراء والشاعرات الأفارقة، خاصة الشباب، ما منحهم فرصة لطباعة الدواوين الأدبية، كما تنامت تلك الورش التي تصوب الأساليب اللغوية والبلاغية للعربية في تلك البلدان.
لم تعد إفريقيا التي ارتهنت لعقود للاستعمار تخشى من فخرها بلغة الضاد، ولم تعد تعاني تلك القارة من عقدة المستعمر اللغوية أو تشعر بالاغتراب الثقافي، بعد أن بدأ المثقف الإفريقي يعتبر لغة الضاد لغة خلاص حضاري وروحي، فمنحت هذه الملتقيات هؤلاء المبدعين نوعاً من الشرعية الأدبية من خلال المنابر الدولية للتعبير عن هويتهم الإفريقية بلسان عربي فصيح، دون الإحساس بالتبعية الثقافية للغرب.
يمكن لنا بكل ثقة، أن نعتبر العربية في إفريقيا ومن خلال تلك الملتقيات قد أسهمت في نقل صوت الشاعر الإفريقي إلى المهرجانات الكبرى في الوطن العربي، ما جعل العربية لغة حوار وتلاق حضاري، تحت شعارات تبرز الهوية والأصالة، لربط لغة الضاد بالثقافات المحلية، ودعم ونشر النتاج الأدبي، ما يعني أن تلك الملتقيات أصبحت نافذة ذهبية لإعادة إحياء الكلمة الموزونة وصون الهوية الثقافية للقارة.
