«ارتفع لترى، لا لتُرى»، عبارة قرأتها قبل عامين، وبقيت منذ ذلك الوقت عالقة في ذهني، حتى جعلتها نبراسًا أعود إليه كلما تغيرت المواقع، واتسعت المسؤوليات، وأصبحت المسافة بين الإنسان ومن حوله قابلة لأن تكبر.
من الطبيعي أن نطمح جميعًا إلى أن نتقدم، وأن ننجح، وأن تأخذنا الحياة إلى مواقع أوسع في المسؤولية والتأثير، وليس في الرغبة في الصعود ما يُلام، فالطموح هو ما يدفع الإنسان إلى تجاوز مكانه والبحث عن أثر أكبر. لكن لكل صعود سؤالًا يستحق أن يرافقه: ماذا يفعل بنا الارتفاع حين نصل؟ هل يجعلنا نرى أكثر، أم يجعلنا ننتظر أن يرانا الآخرون أكثر؟
عادت هذه العبارة إلى ذهني مؤخرًا وأنا أستمع إلى كلمة خلفان بلهول، الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للمستقبل، في منتدى المرأة الإماراتية، عندما كرر ثلاث مرات: «الأخلاق، ثم الأخلاق، ثم الأخلاق». متحدثًا عن الإنسان وهو يصعد في المناصب، وعن أهمية أن يكون في آخر يوم له في العمل كما كان في أوله، بالتواضع نفسه، والقرب نفسه من الناس، وألا تغيره المواقع التي يصل إليها إلا للأفضل.
استوقفتني الفكرة كثيرًا. ففي أول يوم من أي منصب، ندخل المكان بشيء من الترقب، نتعلم، نصغي، نسأل، لكن مع مرور السنوات، واتساع الصلاحيات، واعتياد اللقب والمكتب والامتيازات، يبدأ اختبار آخر، ليس اختبار الكفاءة هذه المرة، بل اختبار الإنسان نفسه.
لذلك ربما لا يكون السؤال: هل بقينا كما كنا في يومنا الأول؟ بل: من أصبحنا في يومنا الأخير؟ وهل جعلتنا التجربة أفضل؟ أن تكبر مسؤولياتنا، ولا تكبر ذواتنا على الناس. أن تتغير ألقابنا، ولا تتغير طريقتنا في التعامل مع الناس. أن تتسع صلاحياتنا، فتتسع معها رؤيتنا وتواضعنا، لا شعورنا بالأهمية.
من السهل أن نتحدث عن التواضع حين لا نملك سلطة، وعن الاستماع حين لا يطلب الآخرون موعدًا للقائنا، ومع ذلك، ليس كل بُعد غرورًا، فكلما اتسعت المسؤولية، ضاق الوقت وتعددت الأولويات. ومن العدل أيضًا ألا نقيس تواضع القائد بسهولة الوصول إليه، بل بما يفعله بالمسؤولية التي اؤتمن عليها، وكيف يكون حين يصل إليه من يحتاج إليه حقًا.
هناك تحديدًا يظهر الفرق بين الارتفاع والرفعة، فالارتفاع قد يمنحنا مكتبًا أكبر، أو لقبًا أعلى، أو مساحة أوسع للتأثير، أما الرفعة فلا تمنحها قرار تعيين ولا بطاقة عمل، الرفعة هي ما نحمله معنا إلى ذلك المكان، وما نتركه خلفنا عندما نغادره.
ربما لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال عند كل تقدم: إلى أين وصلت؟ بل: من أصبحت بعدما وصلت؟
كلما ارتفعنا، اتسعت الرؤية من حولنا، وهذه، في رأيي، أجمل فلسفة يمكن أن نحملها إلى مواقع المسؤولية: أن يكون الارتفاع فرصة لنرى الصورة الأكبر، ونفهم أكثر، ونستمع أكثر، ونشعر بمسؤولية أكبر، لكن أجمل ما في اتساع الرؤية ألا يقتصر على المستقبل والقرارات، بل أن يمتد إلى الناس أيضًا.
وفي النهاية، ستنتهي الوظائف، وتتغير المسميات، وستختفي ألقاب كثيرة كانت تسبق أسماءنا، ولن يبقى من كل ذلك إلا سؤال واحد: كيف كنا حين كنا هناك؟ لهذا بقيت تلك العبارة معي، وأظنني اليوم أفهمها أكثر: *ارتفع لترى، لا لتُرى*.
