الكثير من الكتّاب العرب جاءوا إلى الصحافة من بوّابة الأدب: محمد الماغوط أسس أوّل ملحق ثقافي في جريدة الخليج في النصف الأول من ثمانينات القرن العشرين، وكان ملحق النهار الثقافي ويشرف عليه آنذاك أُنسي الحاج امتيازاً لمن ينشر فيه من الكتّاب العرب واللبنانيين، وكان جمال الغيطاني في «الأخبار» اسم علم في الصحافة الثقافية المصرية، وأضاف خليل السواحري في أوائل ثمانينات القرن العشرين لجريدة الدستور طيفاً صحفياً ثقافياً هو علامة مهنية بارزة في تاريخ الجريدة العريقة في الأردن.
وفي «الدستور» أيضاً كان خيري منصور دينامو الصفحات الثقافية في التسعينات، وفي العراق وسوريا وبلدان الخليج العربي، وبخاصة في الكويت كانت صحافة السبعينات والثمانينات الثقافية تقوم على أقلام أدبية جعلت المهنة صاحبة (أناقة) كما هي صاحبة الجلالة.
اليوم، اختلف الأمر في بعض الصحف العربية فيمكن مثلاً أن يصبح المحرر في الصفحات الثقافية أو الفنون أو المنوّعات كاتباً روائياً فجأة وبلا مقدّمات أدبية محسوبة في تاريخه الكتابي، وأكثر من ذلك، صارت وسائل الإعلام بما فيها الحديثة منها تنتج محلّلين سياسيين وأيضاً، من دون مقدّمات سياسية، وكثر عدد الكتّاب الذين صنعتهم الصحافة، وقبل هذا التكاثر لم يكن القارئ يعرف هؤلاء، في حين أن بعض الصحف أنتجت نوعاً من نقاد الأدب والفنون، ولم يكن هؤلاء نقاداً قبل الصحافة، أما المحلل السياسي الذي يحتاج هو نفسه إلى تحليل فقد أصبح ظاهرة إعلامية صوتية في بعض الفضائيات، كما في بعض الصحف.
في عام 1995 عملت فترة في ديسك الأخبار المحلية في جريدة الدستور إلى جانب كتابة عمود يومي في الصفحة الثانية من الجريدة، وذلك بتوجيه وتشجيع من رئيس التحرير آنذاك الدكتور نبيل الشريف، وإذْ كنت آنذاك غير معروف في الوسط الصحفي الأردني، التقيت ذات يوم في أحد ممرّات الجريدة بصحفي عريق يعمل في «الدستور» هو الأستاذ فوز الدين البسومي رحمة الله عليه، وقال لي فجأةً: أتدري أنّ لي في هذه المهنة عشرات السنوات، وأحياناً أراها مهنة من لا مهنة له. بقيت تلك العبارة عالقة في ذاكرتي، واتضح لي أنها حكمة وحقيقة وليست مجرد عبارة، فبعض الصحف التي تجمع من لم يدخلوا الصحافة من بوّاباتها الحقيقية المهنية ها هي تلك الصحف (القليلة على أي حال) تصدّر للحياة الثقافية روائيين وكتّاب رأي ومحللين ونقاد أدب.
بالطبع لا نضع كل هذا البيض في سلّة واحدة، فهناك من أثبت للصحافة أنها فعلاً مختبر اكتشاف للكاتب الذي لم يكن يعرف أن في داخله كاتباً، وعلى أي حال غابرييل غارسيا ماركيز لم يكن ماركيز قبل الصحافة، وقد أصبح له «مئة عام من العزلة» بعد الصحافة التي لم يدخلها من بوّابة الأدب، لكن المشكلة أن الرجل الذي نتحدث عنه هو ماركيز وليس عبد الحفيظ سلمان عطا إبراهيم.
