صالح الخريبي.. أتعرف هذا الاسم جيداً أخي القارئ العربي في صحافة الكويت والخليج في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي؟.. من هو هذا الرجل المتوسط القامة، البسيط في مظهره وفي صورته.
أخفى صالح الخريبي اسمه الصحفي والعائلي والثقافي تحت (أبو خلدون)، ليس لأنه كان يحب علم الاجتماع، بل، لأن الاسم المستعار، وربما كان اسم أحد أبنائه، يبعده عن تضخم الذات، والغرور، والصوت المرتفع.
يكاد لا يكون صوت لصالح الخريبي كما لو أنه يسحب كلامه إلى داخل حنجرته، وكان يمشي دائماً وهو ينظر إلى الأرض تحت قدميه كما لو كان يبحث عن شيء مفقود، وحين كان يصل إلى «الخليج»، ويضع البطاقة في آلة الزمن الوظيفي يقول لأول من يصادفه: «هلا بالحبيب».
عاش صالح الخريبي في بيئة صحافة الكويت في السبعينات والثمانينات، حيث «الوطن»، و«القبس»، أجمل منبرين للثقافة والسياسة آنذاك، وحيث عشرات من الصحفيين العرب كان مربط أفراسهم صحافة الكويت، من لبنانيين، وفلسطينيين، ومصريين، وسوريين، وعراقيين، وكان بينهم صالح الخريبي، لا باسمه الخريبي هذا، بل، باسم مستعار دائماً، كما لو أنه كان يراقب الأسماء الأخرى التي تتهافت على الصحافة، بالاسم الصريح، اسم الأب، والأم، والجدّ والعائلة والعشيرة من أجل حفنة دولارات من منظمة أو تنظيم، أو نظام.
ظل الخريبي خارج المنظومة كلّها. كان عموده الصحفي من أغنى وأخصب وأرفع الأعمدة في الخليج، لا إنشاء ولا ثرثرة ولا مطوّلات لغوية كاذبة، بل معلومات ثم معلومات ثم تعليق مقتضب ونقطة آخر السطر.
ظل الخريبي، الفلسطيني الذي جاء إلى الصحافة ليس حافي القدمين، ولم يطرق خزان غسان كنفاني، وظل يبحث عن الحقيقة تحت قدميه وليس في السماء، لم يعرفه الفلسطينيون جيداً، ولم يعرفه العرب، ولا حتى بعض زملائه عرفوه، لأنه كان دائماً يجلس في المقاعد الخلفية في الصالة لكي يتاح له سماع الكذب والخداع والزيف.
جاء بعد (أبو خلدون) أولاد المهنة، ذوو الأصوات المرتفعة، والخفة، والأمية اللغوية، وكان صالح الخريبي يعرف الإنجليزية أكثر من الإنجليز، وفي العربية أستاذ، وقارئ للأدب، ومتوغّل رهيب في تاريخ الصحافة، ودائماً: «هلا بالحبيب».
أنظر إلى (ولدّة) أو أطفال الصحافة اليوم، وأنظر إلى صالح.. صديقي وكاتبي وزميلي، الذي حوّل (أبو خلدون) إلى توقيع ثقافي محترم. وأقول الآن.. (طنبوره وين والقُوم وين؟؟)، مثلما كان يقول لي عبد الوهاب البياتي ساخراً من أنصاف الكتّاب، وأنصاف الصحفيين.
