الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الشعر عمود فقري للتاريخ والجغرافيا

18 سبتمبر 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 18 سبتمبر 00:02 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
لو قرأت قصيدة «غدّارة الجنرال في بحار الجنوب» للشاعر عبدالعزيز جاسم، فقد يتبادر إليك أن كاتب القصيدة بحّار أو ربّان سفينة، لكنك ستتأكد بعد قليل من الوقت وأنت تقرأ أن الشاعر من جلفار، بل من قلب جلفار. «جلفار الشبيهة الخضراء، المتكاثرة مثل خلايا النحل في تصحّر الوقت وشحوب القبائل. جلفار الصرخة النافذة في خرائب الدم وأعمدة الهلاك».
«جلفار العامرة، ذات الجدائل والأثواب التي تغار منها الفصول، جُلفار إيقاع المتاهات وبيانو الطبيعة». «جلفار الحصان الأسود بسيقان من كهرمان، موطن الرضّات والجباه المغسولة بضباب الأرخبيلات، جلفار الأكثر من رمل وخريطة، النابتة في كرّياتنا كنار بيضاء». «جلفار التي هي أكثر من صلاة، وأكثر من عمود فقريّ للريح». «جلفار من تشرب من وديانها الكواكب، وتمدّ طبقها النحاسي بلا مِنّةٍ لكل غرام ضائع وتغفو».
بهذه الروح البحرية يكتب ابن جلفار عن جلفار، أو هو في الحقيقة يخرجها من داخله، ويعصرها أمامه على شكل لغة أو قصيدة. إنه ذلك البحّار أو الربان الذي عرف مضيق هرمز، ورأس مسندم قبل الشعراء، يقول: «من سموات المحيط الهندي ومضيق هرمز، من بوّابة رأس مسندم المفتوحة على الطّهف. من ذاك اللسان اللجوج الذي يفرقع كالسوط، ويطرطش في الذاكرة.. عبروا».
ولكن ما هو الطَّهَف؟؟
تقول الموسوعة الحرّة إن الطَّهَف هو نبت عشبي يشبه الدخن أو الذرة، إلاّ أنه أرق وألطف منه، وتخبز منه طعمةٌ في سنوات القحط والمجاعة.
إذاً، ومن خلال كلمة واحدة قد تبدو غامضة نعرف لماذا يتحدث «الشاعر البحّار» عن جلفار بهذه التداعيات المتفجّرة من داخله. إنها صورة مدينة هاجمها ذلك الجنرال قادماً من بحار الجنوب. بغدّارته (خنجره).
«الجنرال بغدّارته الفضية، وبصفيحة الإعدامات أمام الكوثل، والجنود من خلف فوّهات المدافع، يقرصهم البقّ والبراغيث، ويسيل العَرَقُ مثل الحقد من عيونهم».
هذه القصيدة - الوثيقة، وردت في مجموعة عبدالعزيز جاسم «آلام طويلة كظلال القطارات» الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عام 2010، وهي كما أنها قصيدة تتحدث عن تاريخ أو جزء من التاريخ، هي أيضاً قصيدة توقّعية، أو استشرافية لشاعر يعرف تاريخ مكانه، ويعرف جغرافيته، من البرّ إلى البحر، من مضيق هرمز إلى رأس مسندم، حيث التاريخ غالباً ما يعيد نفسه، لكن الجغرافيا تظل في مكانها لأنها لو أعادت نفسها، فلربما تحوّلت الجبال إلى صفائح رمل، واندلقت البحار على اليابسة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة