صار الكثير من الناس اليوم يعيشون حياة لا تتطلب منهم أن يفكروا كثيراً. في الطرقات يستخدمون تطبيقات الخرائط، والحسابات المالية يجريها النظام، والتصحيح اللغوي تجريه الأدوات، وأي سؤال يجيبك عنه الذكاء الاصطناعي في ثوانٍ. وهذا التسهيل نعمة، إذ يوفر الوقت والجهد ويفتح أبواباً لم تكن مفتوحة من قبل. لكن ما لا ينتبه إليه البعض أن هذا التسهيل، إذا ما كان هو الأساس في كل شيء بحياتنا بدون تقنين، قد يترك العقل بلا عمل يقوم به، والعقل الذي لا يعمل لا يبقى كما هو.
الراحة مغرية بطبعها، ولا أحد يختار الطريق الأصعب حين يكون الأسهل متاحاً أمامه، فحين تكون الإجابة على بعد ثانية واحدة، يصبح التفكير في السؤال ترفاً لا داعي له. وحين يكون الحل جاهزاً، يبدو الاجتهاد في الوصول إليه مضيعة للوقت. وهكذا لا يتخلى الإنسان عن استعمال عقله بقرار واع، بل يبتعد عنه لأن كل خيار أمامه في لحظته يبدو منطقياً ومبرراً.
وقد أدرك الفنان والعالم الإيطالي ليوناردو دافنشي هذه الحقيقة في القرن الخامس عشر، وقد جاءت في مخطوطاته التي جمعها ونشرها الباحث جان بول ريشتر عام 1888 تحت عنوان «دفاتر ليوناردو دافنشي»، إحدى أشهر العبارات التي تم تداولها من مخطوطاته، وهي: «كما يصدأ الحديد إن لم يُستعمل، ويتصلب الماء الراكد أو يتجمد في البرد، كذلك يفسد عقلنا إن لم يبق في حالة عمل واستخدام». من اللافت أن هذه الملاحظة كتبت في زمن لم يكن فيه شيء مما نعرفه اليوم من أدوات تقنية متقدمة تختصر الجهد، ومع ذلك رأى دافنشي أن ترك العقل بلا عمل خطر يستحق التنبيه عليه. فإن كان الأمر كذلك في زمنه، فهو في زمننا هذا أخطر.
ما يجعل الأمر أكثر إلحاحاً اليوم أن الأدوات الحديثة لا تكتفي بمساعدة الإنسان، بل تؤدي المهمة كاملة نيابة عنه. الفرق كبير بين أداة تسهل التفكير وأداة تلغي الحاجة إليه، فمن الممكن أن يستخدم الشخص أدوات الذكاء الاصطناعي مثلًا لتسهيل عمله وتطويره، ومن الممكن أن يقوم شخص آخر بجعل الأدوات تقوم بالعمل كاملاً بدون أي مراجعة. ومن يعتمد على النوع الثاني في كل شيء يخسر شيئاً لا يعوض بسهولة، وهو القدرة على مواجهة مشكلة جديدة والتفكير فيها من الصفر.
ما يحتاج اليه الإنسان ليس أن يرفض هذه الأدوات، فهذا غير واقعي وغير مفيد أيضاً. يحتاج فقط الى أن يحتفظ لنفسه بمساحات يستعمل فيها عقله بشكل كامل، أن يحاول حل المسألة قبل أن يسأل عنها، وأن يكتب فكرته قبل أن يطلب من أداة صياغتها، وأن يقرأ ويحلل بدل أن يكتفي بملخص جاهز.
هذه المساحات الصغيرة هي ما يبقي العقل في حالة عمل، وهي وحدها ما يحمي الإنسان من حالة الصدأ.
