هنالك أعمال تبرز بسبب ظهورها بشكل بسيط رغم صعوبة تنفيذها. مثلاً، الترجمة الجيدة تجعل القارئ ينسى المترجم المبدع، وتنظيم فعالية ناجحة تعجب الحضور، لكنهم لا يسألون عمن يقف خلف تنظيمها المتقن، والنظام الذي يعمل دون توقف، لا يفكر أحد في كيفية إدارته بدقة ومهارة، ما دام أنه يعمل.
في المقابل، حين يظهر أي من هؤلاء ويصبح حديث الناس، فذلك في الغالب لأن خللاً وقع. هذه معادلة تبدو قاسية على من يبذل الجهد، فهو يعمل ساعات طويلة على تفاصيل دقيقة، ثم لا يجد من يشير إليها. وقد يشعر البعض في هذا الموقف بشيء من المرارة، ويتساءل عن جدوى كل هذا الإتقان إن كان لا أحد يلاحظ، لكن قراءة الموقف بهذا الشكل تغفل جانباً مهماً، وهو أن الصمت الذي يحيط بالعمل الجيد ليس تجاهلاً، بل هو المؤشر الأقوى على أنه أدى وظيفته كما ينبغي.
من أبرز وأشهر الأمثلة مقولة الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال في رسالة كتبها عام 1656 حين قال: «جعلت هذه الرسالة طويلة جداً، لأنني لم أجد فسحة من الوقت لأجعلها أقصر». وفي هذه العبارة البسيطة معنى عميق، يشير إلى أن ما يبدو أبسط هو ما يتطلب جهداً أكبر، فالقارئ الذي يمر على نص قصير مركّز، لا يعرف كم من الحذف والمراجعة سبقه، بينما النص الطويل الذي يكرر ويعيد ويزيد، هو الأسهل لأنه بالعادة يكون نتاج نقل سريع من العقل إلى الورق.
فهم هذه المعادلة يساعدنا على تغيير المعيار الذي يقيس به الإنسان جودة عمله. من ينتظر ملاحظة الناس ليعرف أنه أتقن، يربط جودته بأمر خارج عن سيطرته، ويتذبذب إتقانه بحسب من يراه. أما من يعرف أن غياب التعليق قد يكون في حد ذاته شهادة، فإنه يبني معياره داخلياً، ويستمر في العمل بالطريقة نفسها سواء التفت إليه أحد أم لم يلتفت.
هذا لا يعني أن التقدير غير مهم أو أن على الإنسان أن يستغني عنه، لكنه يعني أن يفهم أشكال التقدير. بعض الأعمال يصفق لها حين تنجح، وبعضها يتم التحدث عنها فقط حين تخفق. ومن يعمل في النوع الثاني يحتاج إلى أن يجد رضاه في هذا المؤشر، في معرفته هو بما بذله، وفي أن اليوم مر بهدوء لأنه هو من جعله يمر كذلك.
