يشهد القطاع الوظيفي تحولاً متسارعاً بفعل الذكاء الاصطناعي، الذي يعيد تشكيل صناعات بأكملها، ويختصر زمن الابتكار، ويغير طبيعة المهام التي يؤديها ملايين الموظفين. ومع تصاعد المخاوف من فقدان العمل والاضطراب الاقتصادي، تتزايد الأسئلة حول حدود الدور الذي يمكن أن يصل إليه الذكاء الاصطناعي. لكن ثمة قيمة بشرية تبدو عصية على الاستبدال هي العلاقات والثقة والتعاطف.
تبرز العقارات مثالاً واضحاً على ذلك، فالوكيل العقاري الناجح لا يقتصر دوره على البيع والشراء، بل يرافق العملاء في مراحل مفصلية من حياتهم، ويوفر لهم المشورة والدعم خلال الانتقال أو الطلاق أو فقدان أحد أفراد الأسرة، فضلاً عن مساعدتهم على اتخاذ قرارات مالية وشخصية بالغة الأهمية. ولذلك، ورغم ما شهده القطاع من أزمات وتقلبات في الأسواق وأسعار الرهن العقاري وحتى جائحة عالمية، بقي العامل البشري عنصراً أساسياً في المهنة.
في المقابل، لا يمكن تجاهل قدرة الذكاء الاصطناعي على إعادة تعريف العمل. فقد أصبح بإمكان المهنيين تطوير أدوات وبرمجيات مخصصة خلال ساعات، بعدما كان تنفيذ مثل هذه الأفكار يتطلب مطورين وتمويلاً وأشهراً أو سنوات. وفي قطاع العقارات، تُستخدم هذه التقنيات لإعداد تقارير السوق ولوحات المبيعات التفاعلية وربط أنظمة إدارة العملاء بالبريد الإلكتروني، بما يقلص الأعمال الإدارية المتكررة.
وينطبق التحول ذاته على قطاعات التعليم والمال والتصنيع وغيرها، إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل الوثائق والعقود، وإعداد التقارير والعروض، وتلخيص الأبحاث وأتمتة المهام الروتينية، ما يتيح للمهنيين تكريس وقت أكبر لخدمة العملاء وحل المشكلات.
غير أن هذه الأدوات، مهما بلغت قدراتها، لا تستطيع إظهار تعاطف حقيقي، أو إدارة محادثة حساسة، أو بناء الثقة، أو قراءة تردد شخص أمام قرار مصيري. ومن هنا، كلما تفوق الذكاء الاصطناعي في المهام التقنية، ازدادت أهمية المهارات الإنسانية، وفي مقدمتها التواصل والتعاطف والثقة.