لا يمكن فهم أزمة مضيق هرمز باعتبارها مجرد ردّ فعل إيراني على حرب أو عقوبات أو حصار. فالأزمة هي الحلقة الأحدث في مسار سياسي طويل أغرق إيران في العزلة والاستنزاف الاقتصادي، ثم نقل كلفة هذا المسار إلى دول الجوار والعالم.
لقد أنفقت القيادة الإيرانية موارد بلدها على مشروع توسع إقليمي، وبنت نفوذها بواسطة السلاح والجماعات الحليفة، وربطت أمن الخليج والبحر الأحمر بمصيرها السياسي. وحين ضاقت خياراتها، لم تتجه إلى حماية شعبها واقتصادها، بل اختارت تهديد الممر الذي تعبر منه صادرات جيرانها وإمدادات الطاقة العالمية.
إنه سلوك يقترب، سياسياً، من نموذج «الدولة الانتحارية»، أي نظام مستعد لإلحاق خسائر جسيمة ببلده إذا كان ذلك سيجبر الآخرين على دفع الثمن معه. والمقصود هنا ليس الشعب الإيراني ولا وصفاً قانونياً للدولة، بل نمط القرار الذي يتعامل مع الخراب المتبادل باعتباره أداة تفاوض مشروعة. لكن النظام يتصرف كما لو أن خسارة الدخل الوطني مقبولة ما دام قادراً على رفع خسائر الآخرين. وهنا تحديداً يظهر البعد الانتحاري في السياسة، إضعاف الذات من أجل امتلاك قدرة أكبر على الإضرار بالمحيط.
وصف السياسة الإيرانية بأنها انتحارية لا يعني أن طهران تسعى حرفياً إلى إنهاء وجود الدولة. المقصود أنها تتبع استراتيجية تقبل بخسائر وطنية غير متناسبة، وتعرّض مستقبل البلاد للخطر، مقابل إلحاق أضرار مؤقتة بالخصوم.
وتظهر ملامح هذه السياسة في عدة أمور، منها أن إيران تقبل تراجع صادراتها وإيرادات الدولة مقابل تعطيل صادرات الجيران، كما أنها تفضّل توسيع ساحات الحرب على معالجة جذور العزلة الاقتصادية، فضلاً عن استخدامها للوكلاء المسلحين بما يعرض المنطقة لردود لا تستطيع السيطرة عليها. وأخيراً، تراهن على أن خوف العالم من الفوضى سيدفعه إلى مكافأتها سياسياً. إنها سياسة شبيهة بمن يشعل النار في بيته ثم يهدد بامتدادها إلى بيوت الجيران إذا لم يحصل على مطالبه.
ولا تقف كلفة هذا النهج عند حدود إيران. فدول الخليج بنت اقتصادات ترتبط بالطاقة والموانئ والطيران والخدمات اللوجستية، وأي اضطراب طويل في هرمز يرفع كلفة التأمين والشحن ويؤخر الإمدادات ويضغط على الاستثمارات. كما تمتد الصدمة إلى الدول المستوردة للطاقة، حيث ترتفع فواتير الوقود والنقل والغذاء، وتتسع الضغوط على الموازنات والعملات. وبهذا تحاول طهران تحويل ضعفها الاقتصادي إلى قدرة على فرض خسائر جماعية، مستخدمة الموقع الجغرافي وشبكة الجماعات المسلحة بديلاً عن النفوذ على التجارة والتنمية. غير أن هذا الأسلوب يدفع الجيران إلى بناء ممرات بديلة وتعزيز الدفاعات وتقليل اعتمادهم على المضيق، ما يعني أن المكسب الإيراني، إن تحقق، سيكون قصير الأجل، بينما تترسخ عزلة إيران على المدى البعيد.
ويبدو سيناريو «الاستنزاف المضبوط» الأقرب لأن الإغلاق الكامل سيحرم إيران نفسها من التصدير، وقد يستدعي رداً عسكرياً واسعاً لا تستطيع ضمان حدوده. لذلك يرجح أن تبقي طهران مستوى من التوتر يكفي لرفع الأسعار وأقساط التأمين وإرباك حركة السفن، من دون الوصول إلى مواجهة شاملة. لكن هذا التوازن هش، فخطأ في الحسابات أو هجوم يسقط عدداً من الضحايا قد ينقل الأزمة إلى سيناريو الانفجار الإقليمي. ومن هنا تصبح الأولوية أمام دول المنطقة بناء ردع جماعي، وحماية خطوط الأنابيب والموانئ، وفتح مسار دبلوماسي مشروط بوقف قابل للتحقق للتهديدات، حتى لا تتحول إدارة الأزمة إلى قبول دائم بالابتزاز.
تتحرك أزمة مضيق هرمز بين أربعة سيناريوهات رئيسية، أقربها «الاستنزاف المضبوط»، عبر استمرار التهديدات الإيرانية والهجمات المحدودة مع إبقاء الملاحة ممكنة، ولكن مرتفعة الكلفة، يليه «محاولة إغراق الجوار» بتوسيع القيود واستهداف الموانئ وخطوط الأنابيب، ثم «الانفجار الإقليمي» إذا أشعل هجوم كبير مواجهةً واسعة قد تدفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، وأخيراً «التراجع والتسوية»، بوقف طهران تهديد الملاحة وضبط حلفائها مقابل تخفيف مدروس للحصار وتأمين الصادرات وإنشاء آلية دولية لحماية المضيق.
بالمحصلة، أغرقت سياسات النظام إيران في العقوبات والعزلة والاستنزاف، وعندما أصبحت كلفة هذا المسار ثقيلة، لم يتجه نظام طهران إلى المراجعة، بل حاول إغراق الجيران معه. وعملياً، إن تهديد هرمز، وتوسيع الخطر إلى باب المندب، واستخدام الجماعات المسلحة ضد المنشآت والممرات التجارية، لا تعكس قوة دولة واثقة، بل مأزق نظام يراهن على أن قدرته على نشر الفوضى ستعوض عجزه عن بناء الازدهار.
إيران أمام خيار واضح، إما أن تعود دولة طبيعية تتعايش مع محيطها، أو تواصل الهروب إلى الهاوية. أما العالم والمنطقة، فعليهما منعها من جر الجميع معها الى الفوضى والانتحار.
* أستاذ الصحافة الرقمية- جامعة الإمارات
