الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

فخ المسارات المظلمة

19 سبتمبر 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 19 سبتمبر 00:04 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
لم تكن أرقام المنظمة الدولية للهجرة مجرد بيانات سردية تُقرأ وتنسى على عجل، بل جاءت لتستقر كدليل إدانة صارخ، ودق قوي لناقوس الخطر حول مأساة إنسانية تزداد تعقيداً على أطراف القارة العجوز.
ففي الوقت الذي يسجل فيه الشارع الأوروبي ارتياحاً شكلياً لتراجع أعداد المهاجرين واللاجئين الوافدين بحراً بنسبة 39%، حيث بلغوا نحو 60 ألف شخص مقارنة ب98 ألف شخص خلال الفترة ذاتها من العام الماضي، يرتفع المؤشر الأكثر إيلاماً وإنسانية، إذ قضى أو فقد ما لا يقل عن 2292 شخصاً في المياه العميقة مقارنة ب1999 ضحية في الفترة السابقة.
هذه المفارقة الصارخة تدفعنا مباشرة إلى طرح تساؤل جوهري حول الفاعلية الحقيقية للسياسات الأوروبية الراهنة وتوجهاتها الحالية.. فهل نجحت أساليب التضييق والحلول الأمنية والمقاربات الردعية في كبح جماح الهجرة وتقويض دوافعها، أم أنها اكتفت جهاراً بدفع هؤلاء اليائسين نحو مسارات أكثر ظلاماً وفتكاً؟
الواقع يثبت بلا أدنى شك أن تشديد الإجراءات الحدودية لم يوقف رغبة الباحثين عن نجدة وأمان، بل أجبر الفارين من أهوال الحروب وانسداد الآفاق الاقتصادية على الارتماء الكامل في أحضان عصابات التهريب، والتي باتت تستغل أزماتهم عبر سفن وقوارب متهالكة، وتختار طرقاً أشد قسوة وخطورة في المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط.
انخفاض التدفقات بنسبة بلغت 55% على مسار وسط البحر المتوسط المؤدي إلى إيطاليا لا يعكس مطلقاً زوال أسباب الظاهرة، بل يمثل القشرة الظاهرة لأزمة هائلة تتشكل في الخفاء وتلقي بظلالها على دول العبور، حيث اعتُرض نحو 17 ألف مهاجر في البحر وأُعيدوا إلى ليبيا وفق إحصاءات خفر السواحل الليبيين، وهو ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول مصيرهم وظروف احتجازهم.
وفي المقابل، يظهر الارتفاع الصادم للوفيات على طريق شرق المتوسط المؤدي إلى اليونان من 284 إلى 417 حالة وفاة الحجم الحقيقي للكلفة الباهظة لهذا التحول الاضطراري في خطوط السير، وما يزيد من عمق المأساة، بحسب تقارير المنظمة، أن الإحصاءات المعلنة لا تعبّر عن الحقيقة كاملة، في ظل حوادث غرق كثيرة لا تجد من يوثقها أو ينقل أخبارها للعلن.
التعاطي مع هذا الملف المعقد بمنطق الحراسة الحدودية وتسيير الدوريات أثبت عدم قدرته على صون الأرواح، وكما أكدت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب، فإن حماية الفارين ومواجهة شبكات الاستغلال تقتضيان صياغة مقاربة شاملة ومتوازنة على مستوى المنطقة بأسرها، وتوفير الشجاعة السياسية اللازمة لتنفيذها. مقاربة تستثمر في معالجة الجذور التنموية والسياسية للأزمات، وتبني ممرات آمنة ومنتظمة للعبور المشروعة.
إصرار المجتمع الدولي على القفز فوق الأسباب الجوهرية والاعتماد على الحلول التسكينية لن ينتج عنه سوى مزيد من الفواجع، ليظل البحر الأبيض المتوسط شاهداً صامتاً ومقبرة مفتوحة لأحلام نسجها المستضعفون بحثاً عن حقهم الأساسي في الحياة والسلام.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة