لم تعد التحذيرات الصادرة من صانع القرار الروسي مجرد إشارات دبلوماسية عابرة أو تلويح بروتوكولي في أروقة السياسة الدولية، بل إننا أمام مشاهد متلاحقة تتقاطع فيها خطوط المواجهة الميدانية والسياسية لتكشف عن تحول جوهري ينقل الصراع الأوكراني من حيّزه الإقليمي المحصور إلى أتّون مواجهة مباشرة وخطِرة بين موسكو والغرب.
فالبيانات الصريحة الحادة التي وجهتها موسكو مؤخراً إلى لندن وباريس، واتهامها للعاصمتين الأوروبيتين ب«اللعب بالنار» عبر تزويد كييف بتقنيات صاروخية حساسة وسرية تسمح بإنتاج واستخدام صواريخ «ستورم شادو» بعيدة المدى لتسديد ضربات مركزة في العمق الداخلي الروسي، لا تدع مجالاً للشك في أن قواعد اللعبة القديمة قد سقطت كلياً.
لم يعد الأمر بالنسبة للكرملين مجرد مساعدات عسكرية تقليدية تتدفق لدعم طرف في نزاع، بل بات يقرأ كدخول غربي على خط المعركة المباشرة، وهو ما تراه القيادة الروسية انخراطاً يوازي التورط الميداني الصريح الذي يجرّ الوضع برمته نحو عواقب وخيمة، مفتوحة على الاحتمالات المعقدة والمجهولة التي لا يمكن التنبؤ بمدى اتساعها.
تحذيرات الكرملين الصارمة ب«رد قاسم وحاسم» رداً على ضرب البنى التحتية والاقتصادية لم تأت من فراغ، إذ تسعى موسكو إلى رسم خطوط حمراء جديدة وتثبيت معادلة ردع صارمة تشمل اعتبار المنشآت والمعدات العسكرية التابعة لبريطانيا وفرنسا أهدافاً مشروعة للضربات الروسية، سواء كانت داخل الأراضي الأوكرانية أو في أي جغرافيا أخرى.
وما يزيد الموقف تعقيداً، أن هذا التصعيد السياسي الكثيف يتزامن مع تحركات ميدانية متسارعة فرضتها الوقائع على الأرض، فحين يخرج المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف ليؤكد أن بلاده لا تبحث عن تصعيد عسكري غير مبرر نظراً لتقدم قواتها الميداني وثباتها على مختلف جبهات القتال، ثم يرافق ذلك جولة تفقدية لرئيس الأركان الروسي فاليري غيراسيموف للخطوط الأمامية لمتابعة تنفيذ الأهداف الاستراتيجية وفرض السيطرة في الشرق الأوكراني، يتضح أن موسكو تزاوج بمهارة بين الضغط العسكري الميداني المتصاعد والردع الدبلوماسي الصارم.
الميدان بدوره يترجم هذا الغليان بكثافة نارية غير مسبوقة، ففي الوقت الذي تعلن فيه دفاعات موسكو الجوية عن اعتراض وإسقاط مئات الطائرات المسيّرة الأوكرانية فوق نطاق جغرافي واسع يمتد من بيلغورود وكورسك وفولغوغراد وصولاً إلى شبه جزيرة القرم والمجالات الجوية للبحر الأسود، تشنّ القوات الروسية موجات مكثفة من الصواريخ الباليستية وكروز المستهدفة للبنى التحتية الحيوية ومحطات الطاقة والموانئ ومخازن الحبوب في كييف وأوديسا وزابوريجيا، ما يتسبب في أضرار بالغة، ويضاعف الضغوط الجوية والدفاعية على كييف التي تجدد مطالبتها لحلفائها بالدعم العاجل.
في المحصلة، إن استمرار الحرب بهذه الكثافة النارية والدمار الواسع يثبت أن الحسم العسكري المطلق ما زال خياراً بعيد المنال لكل الأطراف، وأن غياب الرؤية الدبلوماسية المشتركة سيُبقي الباب مفتوحاً أمام سيناريوهات الانزلاق نحو اتساع رقعة الحريق، فهل تدرك العواصم الغربية خطر خيار الحافة، أم أن المنطقة والعالم يتجهان نحو أتّون مواجهة مفتوحة على كافة الاحتمالات الكارثية؟
