لم تكن الضفة الغربية يوماً خارج حسابات الصندوق الانتخابي في إسرائيل، لكن السعي الراهن لإعادة تشكيل المشهد الميداني والسياسي فيها قبيل الاستحقاق البرلماني في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل يتجاوز مجرد الدعاية الانتخابية العابرة، حيث إنه مخطط متكامل يهدف إلى فرض أمر واقع جديد يعيد هندسة الحياة اليومية للفلسطينيين بالتقسيط، وبأسلوب متدرج يغني عن الحاجة إلى إعلانات سياسية صاخبة قد تثير زوابع إقليمية أو دولية شديدة.
الواقع الميداني اليوم يشي بأن الاستراتيجية الإسرائيلية لا تعتمد على قرارات رسمية حاسمة كإعلان الضم الشامل أو العودة الصريحة للحكم العسكري بصيغته القديمة، بقدر ما تعتمد على تراكم الإجراءات والوقائع اليومية على الأرض.
تغليف التدخلات العسكرية بأبعاد إدارية ومدنية، عبر نقل المزيد من الصلاحيات والملفات الحيوية إلى وزارات ومؤسسات مدنية إسرائيلية، يمثل مساراً ناعماً لممارسة السيادة الفعلية والضم غير المعلن، وهذا النهج يضيّق الخناق تدريجياً على السلطة الفلسطينية، ويقلص مساحات نفوذها وتأثيرها حتى في المناطق الخاضعة لإدارتها بموجب الاتفاقيات السابقة، ليتحول دورها المتبقي إلى مجرد تسيير لليوميات المعيشية الصعبة تحت مظلة أمنية إسرائيلية مطلقة وإحكام كامل للسيطرة على الأرض والبناء والحركة.
وفي ظل التحول المتصاعد في المشهد السياسي الداخلي نحو اليمين واليمين المتطرف، أضحت الضفة الغربية الميدان الأسهل للمزايدات السياسية وتقديم الهدايا المجانية للناخبين وقادة المستوطنين. فتوسيع نطاق العمليات العسكرية، وتكثيف الحواجز وتقطيع أوصال المدن والقرى، إلى جانب شرعنة البؤر الاستيطانية ومنح فرق الحراسة المسلحة نفوذاً وصلاحيات أوسع، كلها أدوات توظف لإثبات «الشدة الأمنية» وإرسال رسائل طمأنة للتيار الاستيطاني الممسك بمقاليد القرار الائتلافي الحاكم. غير أن هذا السلوك يستند إلى قراءة قاصرة وخطرة للواقع الميداني، إذ إن الإفراط في استخدام القوة والتضييق الممنهج على السكان لا يخلقان أمناً ولا يجلبان استقراراً، بل يضعان المنطقة بأسرها فوق بركان من التوتر القابل للانفجار في أي لحظة.
الخطورة الحقيقية في هذا المسار لا تكمن فقط في احتمال توظيف أي حدث أمني طارئ للقيام بتصعيد عسكري واسع يخدم الحسابات الانتخابية الحزبية، بل في تفكيك المكونات الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية للوجود الفلسطيني. فتقويض قدرة الفلسطينيين على الحركة والعمل والتمدد العمراني، وسلب أراضيهم لصالح المشاريع الاستيطانية المتمددة، هو تصفية بطيئة وممنهجة لكل المقومات التي يمكن أن تقوم عليها دولة فلسطينية جغرافياً وسياسياً في المستقبل القريب.
ما نراه اليوم في الضفة الغربية ليس مجرد إجراءات مؤقتة تحكمها حسابات صندوق الاقتراع في تل أبيب، بل هو عملية إعادة هيكلة شاملة لبيئة جغرافية وسياسية تنفذ بأدوات أمنية وإدارية محكمة ومدروسة.
وأمام هذا التمدد المتواصل الذي يلتهم الأرض ويهدد الاستقرار الإقليمي برمته، يتجدد السؤال حول مدى قدرة المجتمع الدولي على بلورة خطوات جادة تضع حداً لهذه السياسات التراكمية، قبل أن يصحو الجميع على واقع تصبح فيه فرص السلام والحلول السياسية مجرد أوهام مدفونة تحت ركام الأمر الواقع.
