الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حين ينصب الإنسان فخّاً لنفسه

20 سبتمبر 2026 00:15 صباحًا | آخر تحديث: 20 سبتمبر 00:15 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
يحار المرء وهو يقرأ كتاب «أيام لها تاريخ» للكاتب المصري اللامع أحمد بهاء الدين، إذ تبدو أعمال الإمبراطوريات الكبرى كما لو كانت نوعاً من الانتحار الاختياري، الكتاب صدر في عام 1954، ويتناول أحداثاً وشخصيات مصرية، لكن مقدّمته تتجاوز مصر إلى الإنسان في كل مكان وزمان، فتعريف الإنسان حسب أحدث وصف قدمه العلماء، أنه «حيوان ذو تاريخ».
فالإنسان كائن يأكل ويشرب وينام ويتناسل ويعقل كغيره من الكائنات، لكن يميزه شيء ارتقى به حتى أصبح سيد العالم، وهو التاريخ، أي أنه الكائن الوحيد الذي يسجل ماضيه بكل تجاربه، ويتعلم منها ويستفيد، ويضيف إليها، مما يصنع التقدم.
وحيرة المرء أن الأحداث التي تضرب العالم تشي بأن البشر لا يتعلمون، أو أنهم واقعون أسرى تناقضات حادة لا يعرفون كيف يتخلصون منها، وأنهم يعيدون إنتاج المشكلات نفسها بأسماء جديدة وصور مختلفة، في فخاخ ينصبونها لأنفسهم.
كان التصور الشائع أن تجارب الإنسان تنتهي به إلى عالم حروبه أقل، وصراعاته على النفوذ أضيق، واندفاعه وراء القوة أبطأ، لكن ما يحدث هو العكس، كما لو أن التاريخ يعيد نفسه كما يقولون، فالطمع يتكرر، والصراعات تتكرر، وأوهام القوة تتكرر، إلى الدرجة التي يبدو فيها التاريخ سجلاً طويلاً للأخطاء نفسها.
كثير من المفكرين والفلاسفة لا يقبلون هذا الطرح، ويرونه ناقصاً، ويفسرون التاريخ بأنه ليس رحلة من الخطأ والصواب، بل حركة مستمرة بين أقطاب متناقضة، فكلما اقترب مجتمع من حل مشكلة، اقترب في الوقت نفسه من مشكلة جديدة، ويضربون مثلاً بالإمبراطوريات، ويقول المؤرخون إن التوسع، كما كان سبباً في صعودها، كان أيضاً وراء سقوطها وانهيارها، أي أن التوسع هو مصدر قوتها ثم استنزافها. ويرجع الفلاسفة هذا التناقض إلى «تجاوز الحدود»، بمعنى أن الفضيلة قد تتحول إلى نقيضها إذا تجاوزت حدها: هنا قد تصبح الشجاعة تهوراً، والحذر جبناً، والثقة غروراً، وقد أثبت التاريخ أن المشكلة ليست في وجود القوة أو الثروة أو الاستقرار، بل في استحالة تثبيت أي قيمة عند نقطة توازن إلى الأبد.
ويفسرون المسألة بأن البشر يتعلمون داخل عالم حافل بتناقضات يستحيل محوها، وكلما عرفوا كيف يديرونها ظهرت في صور جديدة، ولهذا لا يشبه التاريخ دائرة مغلقة تعيد نفسها حرفياً، إنما هو أقرب إلى حلزون صاعد، يعود إلى الأسئلة نفسها، لكن في مستوى جديد كل مرة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة