الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

بعد أن يرحل أصحاب الكتب

14 سبتمبر 2026 00:11 صباحًا | آخر تحديث: 14 سبتمبر 00:12 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
توفي قبل سنوات صديق، كاتب وجامع كتب معروف، وترك وراءه مكتبة كبيرة جمعها على مدى عمر كامل. بعد رحيله، اختلف أبناؤه في ما يفعلون بها. كانوا يظنون في البداية أن معظم ما فيها مهم ونادر، ثم اكتشفوا بعد المراجعة والاستشارة أن جزءاً محدوداً منها يحمل قيمة خاصة، وأن كثيراً من الكتب مكرر أو موجود في مكتبات أخرى.
انتهى الأمر بقائمة صغيرة تستحق الاحتفاظ، وصناديق كتب في المخزن لا يعرف أحد ماذا يفعل بها.
لكن ما بقي في ذهني لم يكن مصير الكتب، وإنما مصير تفاصيل الحكاية.
فالقيمة الحقيقية كانت في الرحلة التي صنعت تلك المكتبة. رجل قضى سنوات يبحث عن الكتب ويشتريها، ويمضي وقتاً في مساومة بائعيها. كان يقرأ بعضها مرة بعد مرة، ويكتب على هوامشها ملاحظة هنا وتاريخاً هناك، حتى أصبح لكل كتاب قصة، ولكل رف جزء من ذاكرته. ولم تكن تجربته بعيدة عن جيله؛ جيل كان يرى في الكتاب شيئاً يستحق البحث عنه، واقتناءه، والاحتفاظ به سنوات طويلة.
حين رحل صاحب المكتبة، انشغل الجميع بالسؤال الطبيعي: ماذا نفعل بالكتب؟ وضاع سؤال آخر وسط الصناديق: من سيحفظ قصة هذه المكتبة؟
فالكتاب قد يكون عادياً في السوق، لكنه داخل مكتبة صاحبه يحمل معنى آخر. قد يرتبط بمرحلة من حياته، أو بصديق أهداه إياه، أو بفكرة غيرت شيئاً في وعيه. وأحياناً تقول ورقة صغيرة بين الصفحات، أو إهداء قديم، أكثر مما تقوله قائمة طويلة بعناوين الكتب.
وهذا المعنى موجود اليوم في مكتبات كثيرة لدى كتاب ومثقفين وناشرين وصحفيين في الخليج. مكتبات تبدو من الخارج رفوفاً وكتباً، لكنها تحمل ذاكرة مرحلة كاملة.
المشكلة أننا نعرف كيف نرث الأشياء، لكننا لا نعرف دائماً كيف نرث معناها وأثرها.
ولا يعني حفظ الذاكرة أن نحتفظ بكل كتاب وكل ورقة. ربما لا تحتاج كل مكتبة إلى أن تبقى كاملة، لكن كل تجربة تستحق أن تروى. أن نسأل أصحاب هذه المكتبات وهم بيننا: لماذا جمعتموها؟ ما الكتب التي صنعت وعيكم؟ وما القصص التي لا تظهر في الفهارس؟
لدينا في الخليج فرصة مهمة؛ فكثير ممن صنعوا تلك البدايات ما زالوا بيننا. يمكننا أن نسجل ذاكرتهم الآن، قبل أن نبحث عنها غداً في صناديق لا تتكلم.
فالذاكرة هي ما يبقى من الحكاية، وحين تضيع الحكاية التي وراء الكتب، نفقد معها جزءاً من ذاكرة الثقافة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة