الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

فن تنغيص الحياة

30 أغسطس 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 30 أغسطس 00:03 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في حياة كل إنسان دوائر خاصة تحيط به وتحميه من قسوة العالم: حب، زواج، صداقة، علاقات عمل، روابط عائلية، هذه العلاقات ليست مجرد تفاصيل عابرة، بل هي جسور نعبر عليها من الوحدة إلى الألفة، ومن الغربة إلى الانتماء، ومن القلق إلى شيء من الطمأنينة. ولهذا يكون الألم مضاعفاً عندما تتحول بعض هذه العلاقات إلى مصدر للضيق والتنغيص.
ومن سوء الحظ أن يكون بيننا أشخاص يمتلكون موهبة إفساد متعة الحياة على الآخرين، لا يصرخون، لا يفتعلون معارك كبرى، لا يعلنون العداء صراحة، إنما يمارسون نوعاً من العدوان الصامت عبر التلميحات واللمز والملاحظات الجارحة والإهانات المغلفة بالمزاح، يتركون أثرهم في النفوس ثم يتراجعون إلى الخلف كأن شيئاً لم يحدث. إنه فن تنكيد الحياة على الآخرين دون ضوضاء.
وقد استوقفني كتاب «النكد وعنف الانحراف في الحياة اليومية» للطبيبة الفرنسية ماري فرانس هيريجوين، وهي متخصصة في علاج ضحايا العنف النفسي الخفي، واستعرضت فيه نماذج وتجارب كثيرة لأشخاص وجدوا أنفسهم أسرى لعلاقات تستنزف طاقتهم وثقتهم بأنفسهم. لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بحقيقة مهمة: لا أحد بريء تماماً من ممارسة النكد، فجميعنا قد نجرح أو نخطئ أو ننفعل في لحظة غضب أو توتر، غير أن الفرق بين التصرف العابر والسلوك المنحرف هو التكرار، والنكد المقصود هو الذي يتحول إلى أسلوب دائم في التعامل، ورغبة مستمرة في إضعاف الآخر وتحطيم ثقته بنفسه.
وتعد بيئة العمل من أكثر الأماكن التي يزدهر فيها هذا السلوك، فقد يجد الموظف نفسه تحت إدارة شخص متسلط يحمّله الأخطاء ويشكك في كفاءته ويصوره مصدراً للمشكلات، والأشد إيلاماً أن يلتزم الآخرون الصمت، أو يشاركون ضمنياً في هذا السلوك رغم إدراكهم لظلمه. وأحيانًا يكون الاختلاف أو الحسد هو الوقود الحقيقي للنكد، فبعض الناس لا يحتملون نجاح غيرهم أو تميزهم أو حضورهم، فيحاولون التقليل من قيمتهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة. هنا لا تكمن المشكلة في الضحية، بل في شعور دفين بالنقص لدى من يمارس هذا السلوك.
كيف نواجه صناع النكد؟ أولاً بالفهم وعدم تحميل أنفسنا ذنباً ليس ذنبنا. ثم بالحفاظ على مسافة نفسية آمنة، وعدم الانجرار إلى معاركهم الصغيرة. فالانتصار الحقيقي ليس في هزيمتهم، بل في حماية أنفسنا منهم.
اللهم احمنا من النكد، ومن صناع النكد، ومن أن نكون يوماً أحدهم.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة