الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أمريكا ضد أمريكا

20 سبتمبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 20 سبتمبر 00:03 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تعيش الدولة الأمريكية لحظات حاسمة في تاريخها السياسي، إذ إنه وبعد عقود من التطور المنقطع النظير والهيمنة شبه الكاملة على العالم، بفضل تناغم قوتيها، الصلبة والناعمة، تواجه الدولة الأمريكية تحديات غير مسبوقة، وتنتقل من دولة مؤسسات مستقرة إلى دولة متوحّشة، يصعب توقع سلوكاتها على المستويين، الداخلي والخارجي، حيث تراجع مستوى سيادة القانون، وبرز لأول مرة ضعف غير معهود في قدرة السلطة القضائية على مواجهة تدخلات وضغوط السلطة التنفيذية.
كما بدأت السلطات الفيدرالية بالتدخل في توجيه السياسات الداخلية للشركات الكبرى المتعدّدة الجنسيات التي تحوّلت إلى أداة في يد الرئيس ترامب لمعاقبة خصومه. ووصل الاستقطاب السياسي والمجتمعي إلى مستويات باتت تهدّد النسيج الداخلي للمجتمع الأمريكي بالتفكك، بعد أن أضحت التصريحات السياسية أداة للتنمر والتطاول على الأمريكيين المعارضين لسياسات البيت الأبيض.
ويلاحظ المراقبون، أنه ولأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، تعمل السلطة المركزية على تعميق الانقسامات عوض تقليصها، وعلى تشجيع الخلافات العرقية والدينية بدل تهميشها والتضييق منها، وعلى تشجيع الهويات الجزئية والتخلي عن السياسات الداعمة للهوية الجامعة. كما تعمل على توظيف التكنولوجيا الرقمية للتهجم على الخصوم، وتحويلها من ثم من أداة مشتركة موجّهة لخدمة كل مكونات المجتمع، إلى أداة لخدمة أجندات اليمين المتطرف، ومعاقبة الشركات التي ترفض أن تكون وسيلة لمراقبة الأمريكيين. ويتزامن كل ذلك مع تفاقم حالة التخبّط الدبلوماسي والعزلة الإقليمية والدولية، بسبب التهجم غير المبرر على الحلفاء والشركاء، وتسليط العقوبات عليهم، والاعتداء على سيادتهم الوطنية، وأمنهم القومي، علاوة على اعتماد سياسة خارجية متقلبة تفتقد إلى استراتيجية واضحة المعالم.
ويتجلى عداء أمريكا لنفسها من خلال العديد من الملفات، فقد عبّر بابا الفاتيكان الأمريكي الجنسية، عن رفضه للسياسة الخارجية العنيفة لإدارة الرئيس ترامب على مستوى ملفات بارزة، من بينها الحرب على إيران، وسياسة واشنطن في أوكرانيا، إضافة إلى مخاطر الذكاء الاصطناعي على مستقبل البشرية.
ويتعلق ثاني أبرز ملف لعداء أمريكا لنفسها، بموضوع الهجرة وحقوق الإنسان، بعد أن سجلت إدارة ترامب أرقاماً قياسية في نسب الاعتداء على حقوق الإنسان لم تشهده أمريكا منذ إلغاء التشريعات التمييزية ضد السود، وتشير الإحصاءات إلى أن الشركات الخاصة التي تسيّر السجون في ولايات أمريكية مختلفة، حققت أرباحاً خيالية مباشرة بعد إعادة انتخاب ترامب، ووصل رقم أعمالها إلى 4,8 مليار دولار، وتعود أعلى نسبة منها إلى حملة الاعتقالات الواسعة التي نفذتها قوات الأمن الأمريكية ضد المهاجرين، والتي أسفر بعضها عن تجاوزات وأخطاء فجّرت حملة احتجاجات ضخمة لدى قطاع واسع من المجتمع الأمريكي.
ويتزامن كل ذلك أيضاً، مع هجوم غير مقبول داخلياً من مؤسسة الرئاسة على مؤسسة القضاء، حيث وصف الرئيس قضاة قام هو نفسه بتعيينهم، بأنهم عار على عائلاتهم، وقامت إدارة الرئيس بتفكيك مكتب المستهلك المالي، وبالتدخل بشكل سافر في استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، وربطت التمويل المالي للجامعات الأمريكية بمدى ولائها للخط السياسي الذي يتبناه البيت الأبيض، الأمر الذي يعرّض البحث العلمي في أمريكا لمخاطر تهدّد تفوقه من الداخل، وليس من الخارج، علاوة على الإساءة البالغة لرمزية منصب الرئاسة من طرف ترامب، عندما نشر صورة تبرز ارتداءه تاج الملك، وقيادته طائرة تطلق سائلاً بنّياً يشبه الغائط على المتظاهرين الذين يعارضون سياسته، ويعبّرون عن موقفهم بشكل ديمقراطي.
ويمكن القول إن هناك مظهراً من مظاهر التدمير الذاتي للدولة في أمريكا من منظور ما يسمى بالبيوسياسة، فما يحدث في واشنطن هو محاولة لتحويل أدوات التحكم الديمقراطي والرفاه والرعاية وتوفير الأمن، إلى آليات للضبط المفرط، والإقصاء بالمعنى الذي قصده ميشال فوكو، الأمر الذي يؤدي إلى دخول الدولة في تعارض مع مجتمعها الذي منحها أداة السيادة، حيث تفقد الدولة، في هذه الحالة، بعدها الإنساني، وتهدم بشكل تدريجي التوازن الأساسي الذي كان موجوداً بين السلطات المختلفة، لاسيما بين السلطتين، التنفيذية والقضائية. كما أن الخطر الأكبر الذي يهدّد المجتمع الأمريكي في المرحلة الراهنة، مرتبط بإمكانية قيام الأنظمة الرقمية، ومن ورائها شركات التقنية، بتدمير أسس الهوية، والذاكرة الجماعية للشعب الأمريكي.
إن السيطرة المتنامية للأولغارشية المالية والتقنية على البنية المؤسساتية للدولة الأمريكية يصيب المشروعية السياسية والأخلاقية للدولة في مقتل، بخاصة أن النخب المالية والاقتصادية تعزل نفسها بشكل مستمر عن تطلعات قطاع واسع من الشعب الأمريكي، ولا تجد أيّ حرج في تسفيه أحلامه وطموحاته المشروعة. لقد تعرّض الجسد الرمزي للدولة الأمريكية إلى حالة من الابتذال أذهلت العالم، وأحزنت أصدقاء أمريكا وحلفاءها، بعد أن جرت الإساءة، بشكل ممنهج، إلى منصب رئاسة أكبر دولة في العالم، ليس بالأقوال فقط، بل بالأفعال أيضاً، التي كثيراً ما اتسمت بالعشوائية والارتجالية، وتسببت في تدمير تحالف العيون الخمس الذي أنفقت الدول المؤسِّسة له عقوداً من الزمن من أجل بنائه.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة