الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

دونالد ترامب وفزاعة الشيوعية

8 سبتمبر 2026 00:35 صباحًا | آخر تحديث: 8 سبتمبر 00:36 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يلاحظ المراقبون للشأن الأمريكي أن الإدارة الأمريكية الحالية، وعلى رأسها الرئيس ترامب ونائبه فانس، تمارس سياسة قديمة تعود بنا القهقرى إلى زمن الحرب الباردة، عندما تحوّلت أمريكا إلى مجتمع سياسي مغلق يدين كل من يحمل أفكاراً شيوعية ويسارية، ويعامله على أنه طابور خامس مجنّد لخدمة الخصم اللدود لأمريكا، في منتصف القرن الماضي، ويسعى اليمين الأمريكي الآن إلى توظيف الذاكرة السياسة الأمريكية، لشيطنة كل المرشحين الديمقراطيين الذين يدافعون عن قيم المساواة والعدالة الاجتماعية.
وبالتالي، فإن توظيف الفزاعة الشيوعية من طرف الجمهوريين، يهدف إلى تشويه صورتهم لدى قطاع واسع من الشعب الأمريكي، على الرغم من قناعتهم بأن أفكار مرشحي اليسار من الحزب الديمقراطي ليست لها أية صلة بالأفكار النمطية المتعلقة بالشيوعية، فهم يحاولون فقط الدفاع عن الفئات الهشة والفقيرة في المجتمع، بعد أن بدأت الطبقة المتوسطة بلتراجع.
يشير الكاتب سيرج حليمي إلى أن ترامب منزعج من الانتصارات التي حققها رموز اليسار في الولايات المتحدة، لذلك فقد جعل من شعار محاربة الشيوعية سلاحه الرئيسي من أجل تجنيد أتباعه بدعوى محاربة عنف مجموعات أقصى اليسار، متناسياً أن اليمين المتطرف هو من يقوّض أسس الديمقراطية الأمريكية، ويسيء إلى علاقات واشنطن مع كل حلفائها التاريخيين.
وتتزامن هذه الاستراتيجية الانتخابية مع تراجع سياسي واضح لادارة ترامب على المستويين، الخارجي والداخلي، فالحرب في إيران تزداد تعقيداً، وخيارات واشنطن من أجل ردع خصومها تبدو محدودة، وأسعار الوقود في الداخل ترتفع والقدرة الشرائية للمواطن الأمريكي تتآكل، ولم يعد أمام قادة البيت الأبيض سوى استدعاء شياطين الماضي للوقوف في وجه رياح التغيير.
ويذهب المحللون إلى أن إدارة ترامب تسعى إلى تقليل خسائرها في انتخابات التجديد النصفي يوم 3 نوفمبر/ تشرين الثاني، من خلال التركيز على بعض رموز اليسار في الحزب الديمقراطي، لتعطي انطباعاً للرأي العام الأمريكي، بأن الحزب المنافس للحزب الجمهوري يمتلك أجندة سياسية تهدّد القيم الأمريكية. ويعمل حلفاء ترامب في «حركة ماغا»، والتي هي اختصار لشعار «لنُعد أمريكا عظيمة مرة أخرى»، على تأكيد أن الجيل الجديد في الحزب الديمقراطي قريب في مواقفه من بيني ساندرز، ويمثل من خلال أفكاره اليسارية «المتطرفة» خطراً على الأمن القومي الأمريكي. ويحرص الجمهوريون في حملاتهم الدعائية على تحويل المنافسة الانتخابية إلى سجال حول هوية بعض المرشحين اليساريين.
وينبع توجّس بعض الأمريكيين من الأفكار اليسارية من الطبيعة الرأسمالية الراسخة للمجتمع الذي يشعر بالقلق تجاه كل المشاريع التي تشجّع على تدخل الدولة في الاقتصاد، وعلاوة على ذلك، فإن هناك خلطاً كبيراً بين اليسار والشيوعية، وينظُر للدعوات المطالبة بالعدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق بين الأغنياء والفقراء كأنها مطالب تهدف إلى جر المجتمع الأمريكي نحو الشيوعية، كما ينظر إلى اليسار كأنه معادٍ للدين في مجتمع يعتبر من أكثر الشعوب الغربية تديناً.
يشير المتابعون للسياسة الأمريكية أيضاً، إلى أن ترامب وفريقه الحكومي سعوا منذ شهور إلى التغطية على فشلهم الاقتصادي، من خلال محاولة اللعب على آلية الحس الأمريكي المشترك الذي يعطي أهمية خاصة للعناصر المتعلقة بالهوية ومستقبل الأمة الأمريكية.
وعلاوة على ذلك، فإن استطلاعات الرأي تشير إلى تقدّم واضح للدمقراطيين على حساب الجمهوريين، وهناك أيضاً أعضاء من الحزب الجمهوري يتهمون ترامب بأنه هو من يسيء إلى مبادئ الاقتصاد الحر، ويتدخل في شؤون الشركات، ويخلط السياسة بالاقتصاد، كما حدث مؤخراً عندما أجبر شركات أمريكية على تبني مواقفه العدائية تجاه الدول المجاورة، بخاصة كندا.
من الواضح عطفاً على ما تقدم، أن هناك ضعفاً بنيوياً في البلاغة السياسية التي يوظفها فريق ترامب لتقليل الخسائر في انتخابات نوفمبر، لأن الشيوعية كنظام تسيير مركزي واستبدادي سقطت سقوطاً مدوياً مع انهيار حائط برلين، ولن تعود بديباجتها السابقة، أما الهوية الأمريكية فستظل مستندة إلى حرية المبادرة الاقتصادية للأفراد ولن تنزلق، بأي حال من الأحول، نحو التسيير المركزي.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة