الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أوروبا.. والمظلة النووية الفرنسية

14 أغسطس 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 14 أغسطس 00:07 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تزايد الحديث الفرنسي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، عن الترسانة النووية التي تمتلكها، وأخذ هذا الحديث مساراً يتسم بالتحدي مع اندلاع الأزمة بين أوروبا والحليف الأمريكي خاصة عندما بدأت تلوّح واشنطن بإمكانية تخليها عن حماية حلفائها في الناتو، حيث وجّه الرئيس ترامب انتقادات لاذعة للقادة الأوروبيين الذين رفضوا الانخراط في الهجوم على إيران بدعوى أن الإدارة الأمريكية لم تستشرهم قبل اتخاذها قرار الحرب. ويرى المتابعون أن إصرار باريس على إبراز قدراتها النووية لا يأتي فقط استجابة لحسابات استراتيجية وجيوسياسية صرفة، لكنه يعبّر عن حاجة فرنسا لإعادة تموضعها على المستوى الدولي بعد أن فقدت الكثير من عناصر قوتها السياسية والاقتصادية نتيجة للأزمة السياسية الداخلية المزمنة وتراجع القدرة التنافسية للشركات الفرنسية ووصول المديونية الخارجية إلى مستويات قياسية.
ومن الواضح أن القيادة الفرنسية قد حسمت أمرها وقرّرت التخلي عن مجمل التحفظات التي كانت تبديها بشأن تطوير ترسانتها النووية، وهي الترسانة التي نادراً ما كان يتم الحديث عنها خلال العقود الماضية، حيث فاجأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متابعيه يوم 2 مارس/ آذار الماضي عندما أعلن خلال خطابه المتعلق بالردع النووي، زيادة معتبرة في حجم الترسانة النووية الفرنسية. وأكّد في السياق نفسه أن هذه الخطوة تندرج ضمن استراتيجية أسماها بالردع المتقدّم التي تعني أنه لن يكون هناك مستقبلاً قيود على البرنامج النووي الفرنسي من حيث الكم والكيف، بالشكل الذي يتيح لباريس بسط مظلتها النووية في كل الدول الأوروبية التي تريد الدخول في شراكة عسكرية معها، ولاسيما في هذه المرحلة التي تؤكد فيها واشنطن رغبتها في تقليص تواجدها العسكري في القارة العجوز.
وسواء تعلق الأمر بالمظلة النووية الفرنسية أو بالقدرات النووية الأوروبية مجتمعة التي تأخذ في الحسبان الترسانة النووية البريطانية، فإننا أمام سباق جديد للتسلح النووي يتجاوز السباق التقليدي الذي ألفناه بين روسيا وأمريكا، ومن ثم فإن استراتيجية الردع النووي لا تبتعد عن قاعدة جوهرية تتمثل في أن الترسانات النووية وما تتيحه من إمكانيات للردع لا تمثل غاية في حد ذاتها لكنها وسيلة لا غنى عنها لممارسة السياسة على مستوى العلاقات الدولية التي باتت تؤمن بشكل شبه حصري بالقوة المادية، ومن غير المجدي بناءً على ذلك أن نضع عربة الردع النووي قبل أحصنة السياسة.
ويرى المراقبون أن هناك مفارقة لا يمكن التغاضي عنها بشأن قدرات الردع النووي الفرنسي التي تطمح أن يكون لها بعدٌ قاري، تتمثل في أن فرنسا لا تمر فقط حالياً بمرحلة ضعف اقتصادي ومالي، لكن أيضاً بحالة مقلقة من الضعف السياسي تجعلها غير قادرة على توسيع مظلتها النووية، بسبب التحفظ الألماني الذي مازال يراهن على تغيرات مستقبلية في السياسة الأمريكية. وعلاوة على ذلك فإن هناك العديد من الدول الأوروبية التي تثق بالقدرات النووية البريطانية أكثر من ثقتها بالقدرات النووية والعسكرية الفرنسية.
وعليه فرغم التصريحات الفضفاضة التي أعلنت من خلالها بعض الدول الأوروبية ترحيبها بالمظلة النووية الفرنسية، فإن دول القارة باستثناء النرويج التي حسمت أمرها بشأن الانضمام إلى مسار الردع النووي الفرنسي، تبقى حذرة لأن باريس ترفض حتى الآن الدخول في استراتيجية مرتبطة بقيادة مشتركة لترسانتها النووية، وتبقي على هامش كبير من الغموض لتضمن احتفاظها بالردع النووي من أجل إحداث بعض التوازن مع جارتها ألمانيا التي تمتلك أقوى اقتصاد في القارة وتعمل على أن يُصبح جيشها أكبر الجيوش الأوروبية من حيث التعداد والعتاد، معتمدة في ذلك على قاعدتها الصناعية المتطورة، وفضلاً عن ذلك فإن وصول اليمين المتطرف إلى الحكم في فرنسا خلال السنة المقبلة، من شأنه أن يجعل التزامات ماكرون تذهب أدراج الرياح.
ويمكن القول إن استراتيجية المشروع النووي الفرنسي منذ تأسيسه في بداية الستينيات من القرن الماضي تحمل أقوى العناصر التي تدفع العديد من الدول الأوروبية إلى التزام الحذر تجاهها، حيث تقوم العقيدة النووية الفرنسية منذ عهد الرئيس ديغول على مبدأ أن الردع لا يستوجب تكافؤاً كاملاً مع الخصم لكن قدرة لا شك فيها على إلحاق أضرار يصعب على الخصم تقبلها مع وجود قيادة فرنسية صرفة للترسانة النووية التي تمتلكها، وبالتالي فإن باريس هي من تمتلك القدرة لوحدها لتقرير ما إذا كان تهديد ما يستلزم رداً نووياً، الأمر الذي يضعف خاصية المظلة التي تريد توفيرها لحلفائها، لأن الاختلاف في تقدير طبيعة الخطر مع بولندا أو ألمانيا يجعل خيار المظلة المشتركة فارغاً من كل محتوى.
كما أن استناد العقيدة النووية الفرنسية إلى ما تسميه بكثير من الالتباس المتعمّد، الدفاع عن المصالح الحيوية، يمثل عنصراً إضافياً لعدم الاطمئنان الأوروبي، لأن «المصالح الحيوية» ليست مشتركة خاصة أن هولندا لا تنظر إلى التهديد الروسي مثلاً من المنظار نفسه الذي تنظر منه بولندا لخلافها التاريخي مع موسكو.. علاوة على كل ما سبق فإن الترسانة الفرنسية ليست مؤهّلة تقنياً لتوفير الحماية لقارة بأكملها.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة