هل كان لامرئٍ أن يتخيّل، قبل خمسة أعوام، أن يحدث من الأهوال ما يحدث اليوم، بل ما بدأ يحدث منذ الأعوام الثّلاثة الماضية؟! هل دار بخَلَد عاقلٍ، حتّى أشدّ النّاس عدميّةً وتشاؤماً، أنّ البشريّةَ والدُّولَ التي تقوم على أمورها ستُخْفِق، أشنعَ الإخفاق، في الإفادة من أخطائها وخطاياها في الماضي (لتصويب مسارها وإعادة بعث الأمل في مستقبلٍ إنسانيّ أفضل قائمٍ على احترام الكرامة الإنسانيّة، وعلى التّعاوُن لتحقيق الخير المشتَرك) فتعود - عودةً غيرَ محمودة - إلى ما كانت درجت عليه من الأطماع والعداوات والحروب في الماضي، وكأنّ هذه سُنّة الوجود الإنسانيّ التي لا تستطيع لها تبديلاً؟!
السّؤال مشروعٌ من وجهيْن: من حيث هو يتناول حالةً من جنون النّوازع «الإنسانيّة» العميقة: الجانحة للقوّة والسّيطرة والقهر معبَّراً عنها في سياسات الدّول وفي علاقاتها ببعضها، ثمّ من حيث إنّه يسائل الخبرةَ الإنسانيّة عمّا عساها تكون وجوهُ الإفادة منها في لحْظات الامتحان الكبرى التي تُلِمّ بالوجود الإنسانيّ. الوجْهُ الثّاني هذا لذلك السّؤال هو ما يعنينا في هذه المقالة لاتّصاله بمشكلةٍ أكبر هي مشكلة الانفصال بين الوعي والفعل في النّشاط الإنسانيّ، جملةً، وفي السّياسات الدّوليّة على نحوٍ خاصّ.
خلال العامين 2020 و2021، وحيث مليارات النّاس معتكفة في بيوتها تحت أحكام الحَجْر الصّحّيّ والموانع القانونيّة الصّارمة، وحيث وباء كورونا يلتهم عشرات ملايين الأرواح والأبدان فيُعطّل العلاقات العامّة، ويتسلّل حتّى داخل العلاقات الخاصّة فيقيِّدها، ويُعطِّل الإنتاج وحركة التّجارة، ويدفع الدّول إلى انتهاج سياسات الإغلاق والانقفالِ على الذّات..
حينها، خُيِّل إلى كثيرين في العالم - كاتبُ هذه السّطور منهم - أنّ محنةَ جائحة الوباء لا يمكنها أن تمُرّ من دون أن تستولدَ أسئلةً كبرى حول المصير الإنسانيّ ومراجعاتٍ كبرى للسّياسات والعادات والمألوفات التي درجتْ عليها الدّول والمجتمعات، حتّى صارت وكأنّها «طبيعةٌ ثانيّة» لدى كلّ فرد. وافتُرِض، لدى مَن ذهبوا هذا المذهب من اليقين، أنّ الإنسانيّة، وعلى جسيمِ ما قدّمتْه من التّضحيّات في مأساة الوباء، لم تكن تنتظر سوى أن تصابُ به لكي تستفيق من أوهامٍ كانت سادرةً فيها وهي تلهث وراء مصالحَ خربّت نظام الطّبيعة والحياة، وجعلت عاليَها سافلَها.
افتُرِض أنّ المراجعةَ المرتجاة ستتناول «كلّ» شيء يتّصل بذلك المصير: سياسات تدمير البيئة، مكانة النّظام الصّحّيّ في منظومة الدّولة والحاجة الماسّة إلى توفير الأمن الصّحّيّ، النّظام الغذائيّ السّائد وأدوار الصّناعات الغذائيّة في تكريس مضارّه، النّزعة الاستهلاكيّة المتغذّيّة من جشع الرّأسمال، الحروب وأثرها على الحياة والبيئة والحقِّ الأقدس في منظومة حقوق الإنسان (الحقّ في الحياة)، النّهوض بأوضاع المؤسّسات الدّوليّة ذات الأدوار الإنسانيّة: الصّحّيّة والإغائيّة وتمكينها من الموارد المادّيّة المناسبة... إلخ.
ولقد اجتمعت أسبابٌ عديدة لتوحيَ بذلك الاعتقاد وترجِّحَ احتمالات ما يُفيد به: موجةٌ من التّضامُن داخل المجتمعات لا سابق له في الكثافة وفي الاتّساع في مواجهة أجواء الوباء، الشّعورُ الجمْعيُّ المتزايد بأنّ للجائحةَ أسباباً في النّظام الاجتماعيّ- السّياسيّ القائم تحتاج إلى علاج، تزايُد وتائر الدّعوات إلى مراجعة الحقبة الماضية على الجبهات كافّة والبحث عن حلول فعّالة للمخاطر التي تَدْهَم المصير الإنسانيّ.. إلخ.
لكنّ الرّياح جرت بما لا تشتهي السّفن، إذْ سرعان ما «عادت حليمة إلى عادتها القديمة»: كما يقول المثَل العربيّ القديم، فما عَتَّم أنِ استأنفت السّياساتُ البيئيّة والتّنموية والصّحّيّة، والقيمُ الاستهلاكيّة والرّيعيّة نفسَها وكأنّها ما كانت مسؤولةً عن إزهاق أرواح مئات ملايين النّاس في العالم، والأنكى من ذلك والأشنع أنّ القائمين على تلك السّياسات استسهلوا فتح حروبٍ جديدة أشدّ قسوةً ودماراً من كلّ حروب الماضي، مضيفين بها إلى العالم ويلاتٍ جديدةً، وكأنّه ما كَفَى الإنسانيّة ما تعانيه من كبيرِ المشكلات! أضاع العالمُ على نفسه فرصةَ تدارُكِ نفسه لأنّ القائمين على أموره، الماسكين بأزِمّته، يريدونه أن يبقى على حاله خاضعاً لنظامه الذي أرادوهُ له! هكذا، مرّةً أخرى، انتصرتِ الغريزة على العقل، المصلحة الفئويّة الأوليغارشيّة على المصلحة الإنسانيّة الكونيّة، الرّأسمال على الحياة...!
