الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

في «عودة» الدّين

31 أغسطس 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 31 أغسطس 00:08 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
حين شَرَع مدُّ الحركات الأصوليّة يتزايد ونفوذُها في المجتمعات الإسلاميّة يتصاعد، ازدهرت عباراتٌ تعميميّة وعناوين كتبٍ عديدة من قبيل «عودة الدّين» أو «انتقام اللّه» أو ما شابه ذلك. بدأ ذلك في سنوات السّبعينات من القرن الماضي وفي أجواء الثّورة الإيرانيّة التي قادها آية اللّه الخمينيّ وطبقة رجال الدّين.
أمّا الغاية من استخدام تلك العبارات فالرّدّ على مَن زعموا، وأكثرهم من الكتّاب الغربيّين، أنّ الدّين دَخَل طورَ اضْمحلالٍ في المجتمعات المعاصرة، وأنّ أحكام حركة التّطوُّر والتّقدّم ستفضي به، في خاتمة المطاف، إلى أفول ثمّ إلى زوال. ولأنّ «عودة» الدّين أتت قويّةً متسارعةَ الإيقاع ومتّسعةَ النّطاق الجغرافيّ، أو هكذا بَدَتْ للقائلين بتلك العودة، فقد بدتِ العباراتُ تلك وكأنّها طلقاتُ رصاصٍ كلاميّةٌ تهُزّ اطمئنانَ يقين سادر في الوهم اسمه: «نهاية الدّين».
من البيّن أنّ مجرّد الانخراط في مواجهةِ حَمَلةِ فكرة نهاية الدّين، المتداولَة في أوساط جمهرةٍ من الدّارسين الغربيّين، علامة صحّةٍ في التّفكير حتّى وإنْ هو انخراطٌ سَلَك إلى الموضوع من بوّاباتٍ غيرِ مناسبة أو قُل، تحت عناوين غيرِ مطابِقة مثل العودة والثّأر... إلخ. هو علامةُ صحّةٍ من زاويةِ ما بين نقّاد أزعومة نهاية الدّين والواقعِ الموضوعيّ من صلةٍ مكينة، ذلك أنّهم في قولهم ب«عودته» لا يَرْكُبون فرضيّاتٍ ذهنيّةً، كما يَرْكُبها القائلون بزواله، بل يَصِفون واقعاً مادّيّاً فاقعاً لا لَبْسَ فيه: يقرِّرونه بما هو واقعةٌ عيانيّة من غير السّقوط في أيِّ نظرةٍ معياريّة إليه ولا أيٍّ من الينبغيّات والرّغبويّات التي تصاحب مثل هذه المواقف التي يقفها الدّارسون، والنّاسُ عموماً، من مسائلَ ذاتِ حساسيّة مثل الدّين.
على أنّ خطأ المدافعين عن فكرة «عودة الدّين»، وهو الذي لا اغتفارَ له ولا صَفْح عنه، هو ابتناؤُهُم الفكرةَ إيّاها على أساسٍ مغلوطٍ لا على تحليلٍ عميقٍ لأدوار الدّين في الحياة الفرديّة والجماعيّة، ولِمكانةِ الإيمانِ في اجتماعيّاتٍ مزدحمةٍ بانسداد الآفاق، وتناسُلِ الأزمات من بعضها، والخوفِ من المجهول، والحروبِ التي تنجب الحروب وتُعمّم قانون الفناء... إلخ.
ليس على شيءٍ من ذلك أقاموا الفكرةَ تلك، بل على صعود الحركات السّياسيّة - الدّينيّة التي من طراز ما دُعِي ب«الإسلام السّياسيّ»، والحال إنّ هذه الحركات ظواهرُ سياسيّة، في المقام الأوّل، وليست ظواهرَ من الدّين في شيء. أمّا أنّها تَستخدم لغةً دينيّة، وتتحدّث عن أهداف عليا دينيّة (تديينُ الدّولة أو تطبيق الشّريعة أو إقامة الخلافة وما شاكل ذلك من شعارات)، فذلك تُحْمَل عليه موضوعيّاً لأنّه من عُدّة الشّغل في ميدان العمل السّياسيّ: من مقتضيات الخطاب التَّقَويّ، ومن مستلزمات الدّعوة والتّعبئة والتّجييش في صفوف الجمهور المخاطَب... وليس مظهراً من مظاهر الدّين أو التّحديث.
ليس صعود الأصوليّات دليلاً على «عودة» الدّين بمقدار ما هو دليل على أزمةٍ عميقة في الاجتماع الدّينيّ، أزمةٌ تجد تبدّيّاتها في ظواهرَ مختلفة: في استغلال الدّين في الصّراعات الاجتماعيّة على السّلطة ونقْلِه من عامل توحيدٍ للمجتمع والشّعب والأمّة إلى عاملِ تفريقٍ وتَنازُعٍ وتمزيق، وفي الغُلوّ في التّفكير والتّطرّف في الممارسة والتّعبير، وفي مُؤَدَّيات ذلك من هزٍّ للاستقرار السّياسيّ والسِّلْم الاجتماعيّة وتسويغٍ للعنف باسم الدّين وما شاكل، ثمّ في استيلاء هذه الجماعات على الدّين، بما هو مُلْكيّة جماعيّة، واحتكارِه من قِبَل فريقٍ حزبيّ (وأحياناً مليشياويّ)، أي مصادرته من أهله الطّبيعيّين (الأمّة) ومن الدّولة ومؤسّساتها العلميّة الدّينيّة، بما فيها المؤسّسة العُلمائيّة أو الفُقهائيّة، وتسخيره في مشروع «الإسلام الحزبيّ»!
إنّ القول ب«عودة» الدّين يتجاهل أنّ الدّين لم يَخْتفِ ولا هو غاب حتّى «يعود» عن غيبته. العقل الحتمويّ وحده يعتقد ذلك.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة