لم يعد خافياً أن الاستقرار الأوروبي يواجه تحديات غير مسبوقة مع اقتراب الصراع بين روسيا وأوكرانيا من حافة الحرب الشاملة، التي بدأت نذرها تلوح في الأفق عبر تصعيد عسكري مثير للقلق، وتآكل متسارع لخطوط التواصل الدبلوماسي، وعودة القطيعة شبه التامة بين موسكو وخصومها الغربيين ومن ضمنهم واشنطن.
في الأسابيع الأخيرة أخذت المواجهة الروسية الأوكرانية أبعاداً جديدة مع اتساع استهداف الأمن والطاقة والملاحة والبنى التحتية والمواصلات، وبلغت ذروتها مع تعرض موسكو ومحيطها لهجوم أوكراني بأكثر من 1600 مسيرة ألحق أضراراً بمصفاة نفط مهمة، في اليوم الأخير من الانتخابات التشريعية الروسية. وقد ترسم هذه الضربة منعرجاً خطراً وتحولاً استراتيجياً يحمل رسائل سياسية وعسكرية بالغة الخطورة، وربما تؤدي إلى انفلات خارج عن السيطرة يؤدي إلى اتساع الحرب إلى العمق الأوروبي.
وجاء هذا الهجوم في اليوم الثالث والأخير من الانتخابات التشريعية الروسية، التي يسعى الكرملين من خلالها إلى إظهار وحدة الصف الداخلي والدعم الشعبي للعمليات العسكرية. كما أن الهجوم لا يبدو من تدبير أوكراني صرف، بل هناك مؤشرات على تورط غربي واضح يتجلى في مستويات الدعم الاستخباراتي واللوجستي والتكنولوجي المتقدم الذي تتلقاه كييف ومكّنها من تسديد هذه الضربة الموجهة إلى عمق المجتمع الروسي في يوم انتخابي حاسم.
بعض الاستنتاجات الأولية تؤكد أن الهجوم الأوكراني عكس ضوءاً أخضر تلقته كييف من العواصم الغربية لتجاوز الخطوط الحمراء والتنصل من الاتفاق الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول موافقة روسيا وأوكرانيا على تحييد منشآت الطاقة من الاستهداف، ما يعني أن مساراً جديداً في هذا الصراع آخذ في التشكل، وبدأ مع مصادقة ترامب على حزمة عقوبات أمريكية موسعة على موسكو، بالتوازي مع حماسة أوروبية متزايدة لتصعيد المواجهة بعدما فشلت كل الجهود السابقة في تغيير مجريات الصراع.
الخطر الوشيك الآن، قد يتمثل في الرد الروسي المتوقع، والذي سبقته تهديدات صريحة من نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي ديمتري ميدفيديف حين طالب بالرد عسكرياً على العقوبات الأمريكية الجديدة، وقبله حذر وزير الخارجية سيرغي لافروف أوروبا من أنها ستواجه حرباً «قصيرة جداً» إذا حاول حلفاء «الناتو» مهاجمة روسيا يتجاوز هذا الوعيد حدود الحرب التقليدية في أوكرانيا، ليمتد إلى جبهة صراع جيوسياسي جديدة وأكثر خطورة في القطب الشمالي، مدفوعاً بالتطورات الأخيرة والاتفاق العسكري الأمريكي المفاجئ مع الدنمارك بشأن جزيرة غرينلاند.
عودة ترامب السريعة إلى البيت الأبيض قاطعاً إجازته في كامب ديفيد، تزامنت مع تحذيرات من تصعيد وشيك في الشرق الأوسط، ولكنها تزامنت أيضاً مع الاستهداف الأوكراني لموسكو، وقد يكون ما حدث هنا أو هناك دخاناً للتعمية على شيء ما، أو ربما خطوة استباقية لإدارة مواجهة كبرى أصبحت ملامحها تتشكل خارج الغرف المغلقة، وتحديداً في ظل التقاطع بين الصراع في الشرق الأوسط والحرب الروسية الأوكرانية المتصاعدة بصورة مخيفة.
