لا تقل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي ضراوة وحماساً عن الاقتراع الرئاسي، فهي ليست مجرد اقتراع روتيني في منتصف الولاية الرئاسية، بل هي زلزال سياسي يعيد تشكيل خريطة القوة في واشنطن، ويحدد ملامح العامين المقبلين من حكم الرئيس، ويمنح الناخب الأمريكي ورقة لكبح جماح البيت الأبيض أو منحه الضوء الأخضر للمضي في سياساته المعلنة.
هذه المرة يواجه الرئيس دونالد ترامب فخاً مركباً، ليس في ولايته الحالية فحسب، بل في كل مسيرته المثيرة للجدل، وستكون هذه المعركة بمكانة استفتاء تاريخي على سياساته وقراراته، وعلى وضع حزبه الجمهوري. ولا تبدو المؤشرات الأولية مطمئنة بالنسبة إليه، رغم الوعود الاقتصادية الضخمة التي أطلقها مؤخراً، والمغريات المريبة، وفي مقدمتها مقترح توزيع مكافأة ال 5 آلاف دولار للأمريكيين البالغين في حال الحفاظ على أغلبية حزبه، وهو مقترح قد يدفع ثمنه السياسي غالياً، إذ قوبل هذا الوعد بمساءلات قانونية حادة وتحذيرات من خبراء التشريع الذين اعتبروا الخطوة، محاولة صريحة ل «شراء الأصوات»، ما يضع ترامب في مواجهة اتهامات بالفساد الانتخابي، قد تلاحقه جنائياً عقب انتهاء المعركة التشريعية، في الوقت الذي تمنح فيه استطلاعات الرأي ونماذج التنبؤ تقدماً مريحاً للديمقراطيين، لاستعادة السيطرة على مجلس النواب وربما الشيوخ أيضاً، وعندها ستعيش النخبة الأمريكية من الحزبين كوميديا سوداء، وسيتحول مبنى الكابيتول إلى مسرح لأكبر عملية تصفية حسابات سياسية في التاريخ الحديث.
الخلافات بين الديمقراطيين والجمهوريين بزعامة ترامب بدأت شرارتها في انتخابات 2016، وتعززت بعد خسارته في اقتراع 2020، ثم تعمقت مع بدء ولايته الثانية قبل عامين، لتتسع الهوة بين الطرفين في السياسة الداخلية حول قوانين الهجرة، والرعاية الصحية، والإعفاءات الضريبية للشركات الكبرى، مقابل رغبة الديمقراطيين في تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، والتحول نحو الطاقة النظيفة.
كما يتهمون ترامب وحركته «ماغا» بتقويض أسس النظام الديمقراطي الأمريكي، والهجوم المستمر على نزاهة الانتخابات والمؤسسات القضائية والإعلامية. أما في السياسة الخارجية، فالطرفان على طرفي نقيض، إذ يتبنى ترامب عقيدة «أمريكا أولاً» القائمة على الحمائية التجارية، وضرب التحالفات التقليدية لواشنطن مع شركائه في أوروبا وحلف «الناتو»، وتركيزه على إبرام «صفقات ثنائية» مشوبة بالتساؤلات.
أما حربه مع إيران، فقد فجّرت فصلاً جديداً من الصدام، إذ يرى الديمقراطيون أن هذا الانخراط العسكري المباشر يمثّل مغامرة غير محسوبة، تقوّض استقرار الشرق الأوسط، وتجرّ الولايات المتحدة إلى استنزاف خارجي طويل، وقد تخرج منه بأضرار لا يمكن إصلاحها وتمنح فرصة للخصوم، مثل الصين، لتسديد ضربة قوية للحضور الأمريكي في منطقة شديدة الحيوية لمستقبل العالم أجمع.
خسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية سيناريو مرجح بقوة تعززه الأرقام على الأرض، والاستياء المتصاعد جراء ارتفاع الأسعار والتضخم وفقدان ثقة الحلفاء، هي عوامل منحت المعارضة الديمقراطية الوقود اللازم لقيادة هذه الموجة المضادة، وقد تجد النخبة الجمهورية نفسها مجبرة على خوض معارك دفاعية مستميتة، لحماية رئيسها من مقصلة «عزل ثانٍ أو ثالث»، وملاحقات قضائية لها أول وليس لها آخر.
