الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ذعر مواقع التواصل

23 سبتمبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 23 سبتمبر 00:03 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
اتصلت بنا جارتنا تسأل عن شراء كميات من المياه والأغذية المحفوظة لتخزينها بسبب طارئ قادم على بريطانيا. استغربت في البداية، لكني أدركت أنها أصيبت بذعر مما تابعته على مواقع التواصل عن تعليمات رسمية للبريطانيين بتخزين المؤن استعداداً لاحتمال الحرب! وكنت لاحظت بعض المنشورات بهذا المعنى ولم أُعِرها اهتماماً لمعرفتي بكمّ التهويل والتلفيق والتضليل على الإنترنت.
لكن السؤال لفت الانتباه إلى ما يسمى «شراء الذعر» الذي تلجأ إليه الجماهير بمجرد سريان إشاعة أو خبر مثير، ما يعقّد حياة بقية الناس في مجتمع ما، حين يذهبون إلى التسوق المعتاد فيجدون بعض الأصناف اختفت من رفوف محال البيع. إنه أمر يشبه ما حدث خلال أزمة وباء كورونا حين تسابق الناس لتكديس المؤن وشراء كميات فوق الاحتياج من الأقنعة وغيرها.
ربما كان الأمر مفهوماً في أزمة وباء اجتاح العالم ولم يكن معروفاً كيف سيقاومه، لكن ما يحدث الآن نتيجة انتشار خبر مزيف يمكن أن يكون ضرره أوسع نطاقاً.
قبل أسابيع حين انهارت مفاوضات التجارة بين أمريكا وكندا وأعلن الرئيس الأمريكي فرض رسوم باهظة على الواردات من الجارة الشمالية هرع الأمريكيون إلى محال السوبر ماركت لشراء كل ما تقع عليه أيديهم من ورق التواليت والمناديل الورقية. ليس فقط لأن أمريكا تستورد كميات كبيرة منها من كندا، ولكن لأن شركات انتاجها تستورد الأخشاب التي تصنع منها من كندا أيضاً. وأدى «شراء الذعر» لتلك المنتجات إلى أزمة.
ما حدث في بريطانيا وتداولته مواقع التواصل، مع إضافات مثيرة لا علاقة لها بالواقع، بدأ بمنشور لشركة توقعات تسمى «بولي ماركت» يتابعها المهتمون بالمضاربات في الأسواق. ونقل بعضهم المنشور حتى انتشر كالفيروس على مواقع التواصل. واكتسب الأمر بعض المصداقية من إشارة المنشور الأساسي الى خبر على موقع «بي بي سي».
لم يكن ذلك الخبر على الموقع سوى تقرير تحليلي عن تصاعد احتمالات الحرب مع ما يجري بين روسيا وأوكرانيا واتهامات موسكو لبريطانيا بدعم كييف. وأن ذلك قد يتطلب تخزين المؤن الضرورية لدى الأسر تحوطاً لما يمكن أن يحدث. أما صفحة المضاربات على مواقع التواصل فكان منشورها وكأن السلطات البريطانية طلبت من الشعب بالفعل تخزين الغذاء والماء استعداداً لحرب على بريطانيا!
الواقع أنه ليست هناك أي طواريء، ولم يحدث أن طلبت السلطات البريطانية من الناس تخزين الماء والطعام. كما أنه منذ بدأت حرب أوكرانيا قبل أربع سنوات لم تتوقف الانتقادات والتهديدات الروسية لبريطانيا بسبب دعمها أوكرانيا.
كل ما حدث كان قبل عامين وعبارة عن توصية أن تحتفظ الأسر ببعض الأغذية المعلبة وما يكفي من المياه في بعض فصول السنة وفي المناطق النائية تحسباً لتطورات طبيعية مثل الأعاصير وغيرها التي قد تتسبب في تعطيل الوصول لأماكن الشراء لفترة.
إنما الترويج الكثيف على مواقع التواصل لما نشره موقع المضاربات بصياغة مثيرة تجافي الحقيقة وكاد يسبب قلقاً بالغاً للبريطانيين ويدفعهم نحو «شراء الذعر».
تجدر الإشارة إلى أن الأسواق بشكل عام تشهد أحياناً حالات مماثلة من البيع والشراء التي لا تكون مستندة إلى أساسيات السوق وإنما لما يسمى «العامل النفسي» الذي يدفع المستثمرين إلى شراء أو بيع (غالباً ما يكون بيع الذعر) الأسهم أو السندات أو العقود الآجلة للسلع كالنفط وغيره.
في تلك الحالات تتذبذب الأسعار ومؤشرات الأسواق رغم أن أساسيات السوق تكون متينة بالفعل، إنما لأن خبراً ما أو توقعاً من شركة استشارات أو حتى إشاعة سرت بين المتعاملين فدفعتهم نحو التصرف بذعر. وغالباً ما يكون مصدر الخبر المثير أو الإشاعة المضللة صفحات دردشة على الإنترنت ومواقع التواصل أيضاً.
أكثر من استغل تلك الظاهرة في العامين الأخيرين هو الرئيس الأمريكي الذي يستخدم موقعه الخاص للتواصل «تروث سوشيال» لتحريك الأسواق بتصريحات مسبقة عن قرارات سيتخذها، ثم يتراجع عنها بعد ذلك بعدما يكون مستثمرون يتابعونه استفادوا من «بيع الذعر» الذي لجأ إليه آخرون.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة