أعتقد أنه يوجد مفهوم غائب عن الكثيرين يتعلّق بالعمل التطوّعي، حيث يحصره البعض في أنه عمل مجّاني دون ثمن، وإن كان هذا المفهوم صحيحاً في ظاهره، إلا أن عمقه يحمل معنى أراه غير صحيح.
صحيح أن العامل يبيع وقته وجهده مقابل مال، أما المتطوّع فيُهدي وقته وجهده ويقدّمهما مجّاناً، لكن ليس هذا هو الفرق الجوهري بين العملين: العمل بأجر والعمل التطوّعي، بل أجد أن أهمّ الفروق يكمن في الدافع، فالأول مدفوع بالحاجة المادية، أما الثاني فمدفوع برغبة النفع وإفادة الآخرين. وهناك دوافع أخرى، جميعها تلخّص التباين بين الطرفين بشكل واضح.
نسلّم بأن العمل بأجر هو الأساس للتطوّر والتقدّم والنموّ، ودون شكّ فإنه قطاع مهمّ في المسيرة البشرية بأسرها، لكن أيضاً لا يمكن إغفال حجم العمل التطوّعي، ولا أثره في العالم بأسره.
وأستحضر تقرير برنامج متطوّعي الأمم المتحدة مع منظمة العمل الدولية، الذي حمل عنوان «حالة التطوّع في العالم لعام 2026»، حيث جاء فيه أن أكثر من ملياري إنسان، أي قرابة ثلث من هم في سنّ العمل، يتطوّعون شهرياً.
ومع هذا الحضور الواسع للعمل التطوّعي، فإنه يواجه مشكلات في عالمنا العربي، كأنه طاقة تهدرها وتُستهلك بلا حساب، مثل استدعاء أناس للتطوّع، ثم لا يتمّ تشغيلهم أو لا يتمّ استعمال خبراتهم: يأتون في الموعد، ويقفون ساعات بلا أي عمل أو مهمّة، ثم صرفهم. وهناك جانب يتعلّق بعدم الدقّة مع المتطوّع وعدم المهنية، حيث اعتبار وقته مشاعاً، فيتمّ تمديد مهمّته دون اعتبار لظروفه، أو أن يُطلب منه تنفيذ مهمّة محدّدة ثم تُلقى عليه عدّة مهامّ، كأن تطوّعه كان تفويضاً مفتوحاً.
ولا ننسى الخلل في توزيع الأدوار والمهامّ على المتطوّعين وفق مهاراتهم وخبراتهم ومعارفهم، حيث يوجه التقنيّ نحو الإدارة، والإداريّ نحو العمل الميداني... إلخ.
العمل التطوّعي كنزٌ من الإنتاجية، وخبراتٌ كبيرة وواسعة، والمطلوب جوانب تنظيمية ترتّب المكان والظروف. وأعتقد أن قطاع العمل التطوعي قطاع مهم وفاعل لكثير من المجتمعات العربية، لم توظفه التوظيف الأمثل، وهو ما يفوت عليها الاستفادة من مخرجاته الواسعة، ومساهمته الحيوية في التنمية والبناء الاقتصادي والمعرفي. وهو قطاع غير مكلف إذا ما قورن بنتائجه والفوائد التي يحققها.
