وددت أن لو استكملت ذكريات المرحلة الريفية أو القروية في حياة جيلي وأجيال من قبله، ولكن قضية أخرى فرضت نفسها خلال الأيام القليلة الماضية هي قضية الهوية في مصر، حيث انعقد مؤتمر حاشد بمكتبة الإسكندرية لمناقشة تعريفها وأبعادها وتطوراتها.
وهأنذا أكتب والبحر الأبيض المتوسط على امتداد البصر، تظهر في أفق التقاء السماء به البواخر الضخمة التي ستدخل الميناء.
وأمام نزوع استشرى بين بعض من يحسبون على العلم والثقافة، يهدف لطمس الحقب العربية الإسلامية من تاريخ المحروسة، وتحميلها كل المثالب، والحديث عنها باعتبارها هجوماً صحراوياً على الوادي النيلي الخصب، فإنني أتجه لأضرب مثلاً تاريخياً من تاريخ أمم أخرى، ليس لأنني ما زلت عروبياً يعتز بعروبيته وعقيدته، ولكن انتصاراً للعلم والحقائق التاريخية أيضاً.
والمثل الذي أضربه هو أن فرنسا الحالية لم يكن اسمها كذلك، بل كانت- حتى أواخر القرن الخامس الميلادي- جزءاً من بلاد الغال GAUL، التي كانت تضم فرنسا وبلجيكا ومعظم أراضي سويسرا والأجزاء الشمالية من إيطاليا، وسكنها السلت في الزمن القديم، ثم صارت رومانية تابعة للإمبراطورية.
وكان القوط الغربيون هم السكان بعد السلت، وقد اعتنقوا المسيحية وفق المذهب الأريوسي المصري، مذهب الطبيعة البشرية الواحدة للسيد المسيح، وكانوا يتحدثون اللاتينية.
ثم ظهر المد الجرماني، الذي هو من صميم تحرّك القبائل التي سميت بالمتبربرة، ومن الجرمان كان فرع مهم هو الفرنجة Franks، الذين اتجهوا بقيادة ملكهم كلوفيس الأول نحو بلاد الغال، فأخضعوها عام 486 ميلادية في معركة سواسون وغيّروا اسمها إلى اسم قبيلتهم، فصارت فرنسا، وغيّروا مذهبها من الأريوسية إلى الكاثوليكية، وغيّروا لهجتها إلى الفرنسية، ومن سلالتهم جاءت أسرتان عظيمتان في تاريخ فرنسا وأوروبا، هما الميروفينجية والكارولنجية.
ولا أخال فرنسياً الآن يجلس في مقاهي الشانزليزيه ويبدأ في النحيب على غاليا الغالية التي جاء كلوفيس الأول وغيّر اسمها ودينها ولغتها، مثلما يفعل بعض المثقفين والمتعلمين ومدعي السياسة في مصر الآن، وهم يهاجمون دخول العرب إلى مصر، ويهاجمون عمرو بن العاص إلى آخر الأطروحة عن التصحر الذي أصاب مصر.
والحديث طويل.
