كثيراً ما كنت أسمع في بيئة العمل عبارة «فلان سلبي»، يرى المشكلات، يطفئ الحماسة، ويعطل الأفكار، وغالباً ما تكون النصيحة الجاهزة: ابتعد عنه، فهو محبط. قد أتفهم هذه النصيحة في حياتنا الاجتماعية، فليس من السهل أن تعيش مع شخص لا يرى إلا الجانب المظلم، لكن في بيئة العمل، تعلمت أن أنظر إلى الأمر بطريقة مختلفة تماماً.
أتذكر أنني كنت أجلس مع فريق العمل لمناقشة مشروع جديد، وكالعادة يبدأ المتحمسون بعرض الفكرة ومميزاتها وفرص نجاحها، حتى تشعر وكأن الطريق أمام المشروع قد فرش بالورد، وبين الموظفين كان يوجد شخص يصفه الجميع عادة بأنه «سلبي»، كنت أترك رأيه متعمداً إلى نهاية الاجتماع، ثم ألتفت إليه وأسأله، «وأنت شو رأيك؟».
هنا تبدأ قائمة الملاحظات، ماذا لو حدث كذا؟ هذه النقطة قد تسبب مشكلة، هذا الجزء لن ينجح، قد نتأخر، وربما ترتفع التكلفة، أو لا يتقبل الناس الفكرة كما نتوقع، وكنت أطلب ممن يكتب محضر الاجتماع أن يسجل كل ملاحظة يقولها، وبعد أن ينتهي، أعيد هذه الملاحظات إلى الفريق وأسألهم إذا حدث هذا فما البديل؟ وإذا واجهتنا هذه المشكلة، كيف سنتصرف؟
هكذا كنا نبدأ الاجتماع بمشروع جميل، وننهيه بمشروع أقوى، لأننا لم نعد نملك مجرد خطة للنجاح، بل أصبح لدينا استعداد لما قد يعترض طريقه، وفعلاً، الكثير من التحديات التي توقعها ذلك الموظف كنا نواجهها أثناء التنفيذ، لكننا لم نفاجأ بها، لأننا ناقشناها مسبقاً ووضعنا لها الحلول.
لهذا أصبحت أتحفظ كثيراً على وصف أي موظف بأنه «سلبي» لمجرد أنه يرى المشكلات أكثر من غيره، وحتى عندما كنت أجلس مع زملاء من المسؤولين والمديرين ويشتكي أحدهم قائلاً «عندي موظف سلبي»، كنت أقول له: أبقه قريباً منك، واستمع إليه جيداً، قد تكتشف أن فائدته أكبر مما تتصور.
فالمدير الحكيم لا يحتاج حوله إلى أشخاص يقولون له دائماً إن كل شيء رائع، بل يحتاج إلى من يرى الزاوية التي غفل عنها، والثغرة التي أخفتها الحماسة، في الإدارة لا أريد فقط من يريني الطريق الأخضر، بل أحتاج أحياناً إلى من يريني «الحفرة» قبل أن أقع فيها.
المشكلة ليست في أن يقول لك أحدهم «هذا لن ينجح»، بل أن تتوقف أنت عند هذه العبارة، اسأله لماذا؟ وما الذي يمكن أن يفشل؟ ثم حوّل كل ملاحظة سلبية إلى سؤال عملي، ماذا سنفعل لو حدث ذلك؟
عندها لن تسمح للسلبية بأن تقود المشروع، بل ستستخدمها لاختباره وصقله، وربما تكتشف أن بعض من نسميهم «سلبيين» في بيئة العمل ليسوا عبئاً كما نتصور، بل قد يكونون أفضل اختبار لأفكارنا قبل أن يختبرها الواقع.
