قبل أقل من شهر، أطلّ علينا صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، من خلال مداخلة صوتية عبر برنامج الخط المباشر، وعبر أثير إذاعة وتلفزيون الشارقة، وتحديداً مع الإعلامي محمد حسن خلف، المدير العام لهيئة الشارقة للإذاعة والتلفزيون، وأعلن سموه بنفسه وصوته: «تضمنت اعتمادات اليوم برنامج نظام الدوام الجزئي في حكومة الشارقة، وهو برنامج لا يستهدف توظيف المتقاعدين القادرين على تحمّل مجهود الدوام الكامل، وإنما نحن نستهدف في هذا البرنامج كبير السن الجالس في بيته، الذي إذا تساءلنا ماذا ينتظر كل يوم، قد تكون الإجابة مؤلمة، وهي أنه ينتظر النهاية، وهنا أقول: لا.. أنا سأخرجه من البيت هو وزوجته، وسيأتي للعمل يومين أو ثلاثة أيام في الأسبوع، أو ربما ساعة أو ساعتين يومياً، بحسب قدرته، حتى وإن جاء إلى العمل مستنداً إلى عكاز، فأنا أريده أن يشترك معنا لتنتعش نفسيته، وليشعر بمتعة المساهمة في خدمة الوطن والمجتمع، ويتقاضى أجراً مقابل عمله..».
هذه الفقرة انتشرت كالنار في الهشيم في حينها ولا يزال صداها يتردد حتى اللحظة. وأعيد نشرها اليوم، عامداً متعمّداً، ليقرأها الناس، ويتمعنوا بها، ويتبيّنوا أي مساحة يحتلها المواطن في انشغالات وزمن سموه، وليتلمّسوا حجم الرعاية الأبوية المصحوبة بالحنان الإنساني والوقوف إلى جانب الموظف المواطن، وفي هذا المقام، إلى جانب المواطن المتقاعد، الذي مدّ الله في عمره. وهذه المبادرة هي مبادرة نفسية أكثر منها مادية، وعلاجية أكثر منها ترفيهية، وهي قبل كل ذلك، حفظ لكرامة الإنسان الذي أعطى من عمره سنوات طويلة، وربما ربيع حياته، لعمله ووطنه.
هذه المبادرة فريدة من نوعها على صعيد العالم وليس في العالم العربي فقط. وقد شجعتني هذه الخطوة المباركة لأبحث في النماذج والتطبيقات والممارسات العالمية، فوجدت أنهم في اليابان، وينظر إليها الباحثون على أنها الأشهر عالمياً، حيث رفعت الحكومة سن العمل الفعلي تدريجياً، وشجعت الشركات على إبقاء الموظفين بعد التقاعد أو إعادة توظيفهم بعقود مرنة. كما انتشرت مراكز الموارد البشرية لكبار السن، التي تربط المتقاعدين بأعمال جزئية ومؤقتة.
أما في سنغافورة، فقد اعتمدت سياسة «إعادة التوظيف» بعد سن التقاعد، بحيث يُمنح الموظف القادر فرصة الاستمرار في العمل بشروط ملائمة. كما تقدم الدولة حوافز للشركات التي توظف كبار السن. وفي ألمانيا، تشجّع الحكومة ما يسمى «التقاعد المرن»، حيث يمكن للمتقاعد الجمع بين المعاش والعمل الجزئي. وتستفيد الشركات الصناعية والتقنية من الخبرات المتراكمة للموظفين الكبار في التدريب والإشراف.
وفي السويد والدنمارك، تعتمدان على فلسفة «الشيخوخة النشطة»، من خلال توفير بيئات عمل مرنة وساعات أقل، مع التركيز على استمرار المشاركة الاجتماعية والمهنية بعد سن التقاعد. أما في الولايات المتحدة، فتستقطب مؤسسات أمريكية كثيرة المتقاعدين في وظائف استشارية أو تدريبية أو بدوام جزئي. وبعض الشركات الكبرى أنشأت برامج خاصة لاستعادة الموظفين المتقاعدين ذوي الخبرة.
إن ما يميّز مبادرة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي أنها لا تُبنى فقط على الحاجة الاقتصادية أو نقص العمالة، بل على بُعد اجتماعي ونفسي واضح، بحيث تعمل على مكافحة العزلة وإعطاء كبار السن شعوراً بالاندماج والإنتاجية من خلال وظائف مرنة وخفيفة.
هذه ليست المبادرة الوحيدة التي تكرّم بطرحها صاحب السمو حاكم الشارقة، وإنما تأتي ضمن سلسلة من المكرمات والمبادرات المتعلقة بإنسانية المواطن وتنميته على الصعيد النفسي والفكري والثقافي. وما زلت أذكر كيف أن سموه أعلن في 29 أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2008 «أن الخطوة المهمة والجديدة لمعرض الشارقة الدولي للكتاب هذا العام تتمثل في تأسيس مكتبة في كل بيت، وخلق ما يشبه الصلة التبادلية المثمرة بين معرض الكتاب ومفهوم إنشاء المكتبة المنزلية، بحيث تحتوي هذه المكتبة على كل ما يغذي الروح وينمي المعلومة والفكر..».
وخلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد بعد افتتاح معرض الشارقة الدولي للكتاب، لفت صاحب السمو إلى أهمية الكتابة للطفل، وضرورة التوجه لهذه الفئة العمرية التي تمثل صورة المستقبل العربي، ونقل الإعلام عن سموه قوله: «إذا عودنا الطفل من الآن على القراءة، فسوف نجني شعباً قارئاً في المستقبل، ذلك أن العالم العربي قد ابتلي بالكثير من المعوقات التي عطلت وصول الكتاب للطفل، ما أفقد الجيل الحالي متعة القراءة والتعرف إلى ثقافته وتراثه..».
ولو ربطنا الحديث عن ثقافة الطفل بالمبادرة التي بدأنا بها مقالنا، المتعلقة بالهدف الإنساني والنفسي من وراء تشغيل المواطنين المسنين وإنقاذهم من العزلة والاكتئاب، نعثر على فلسفة تربوية تركز على العناية بالإنسان منذ الطفولة حتى الكهولة.
قد تكون القوانين تنص على حقوق الطفل وكبار السن إلا أنها تقف عند مستوى محدد من الإنجاز، وعند مرحلة زمنية معيّنة من عمر الإنسان، وقد جاءت هذه المبادرات الإنسانية لتكمل تلك القوانين، وتسد ثغرة أغفلها المشرع العالمي حين اهتم بحقوق الطفل وحقوق كبار السن. ولا ينتبه إلى هذه المبادرات إلاّ إنسان منشغل بتوفير الحياة الكريمة للمواطن طيلة سنين عمره.. هذا الإنسان هو سلطان..
