هل اتفق لك أن أعجبتك عبارة أو مقولة أو حتى مصطلح، فإذا بذهنك ينسج على منواله، يقيس عليه، أو يحاول تطبيقه في ميادين أخرى؟ في الصورة الأخيرة، أصبت المرمى. منذ أمد، يتردد في خاطري مسمّى «الاقتصاد الصلب». الدواعي جليّة، فليس بخافٍ أمر رخاوة الاقتصادات في التنميات المتعثرة.
لكنّ ما يحدث في ذلك، شبيه بالتداعي في الموسيقى، فتكرار اللازمة، أو اللحن المميّز (التيم)، يُفضي أحياناً إلى النسج على المنوال، أو انسياب متتاليات قياسيّة. وقد يكون ذلك مع بيت من الشعر أو مثل سائر. ولكن، خلافاً لما يقول النحاة، قد لا يُحفظ ولا يقاس عليه. فجأةً، صاح منادي الوعي في ردهات الجمجمة: كيف لم يقتنص العرب هذه الفكرة المجرّدة الجوهرة؟ كان في الإمكان تمديد انعكاساتها، في النظرية والتطبيق، إلى سائر المجالات، في القطاعين العام والخاص. عندها سيرون أن كل الرخويات أضحت في رائعة النهار الفولاذ والملاذ، فلا يقال لحال بعدها العياذ.
ليس ذلك من الخيال الشعري في شيء. ما رأيك في التعليم الصلب؟ لا تعجل بأن المناهج تكون مرنةً، أو لا تكون. بالله عليك، لو لم تكن مناهج التربية والتعليم العربية رخوةً، كأنها من اللافقاريات، هل كانت الأمّة تفصلها عن إنتاج العلوم أبعاد وآماد؟ ما الذي يضمن تشييد ميادين الحياة بالكنكريت والجرانيت؟يقيناً، العلوم، وأصلب ركنيْها الرياضيات والفيزياء.
مراراً ذكّرنا بالوثبة التعليمية اليابانية، التي لا تخلو من تضحية، وهي اقتطاع نسبة من حصّة الفرع الأدبي، وإضافتها إلى العلمي. وكانت الحجة الفصل: إن تعزيز الاقتصاد يتطلب ذلك، للحاق بالدول التي تجاوزتنا. هل من أذن صاغية، إذا لم تكن الغفوة الحضارية العصرية طاغية؟ في عشر سنوات، سيرى العالم العربي وجه التعليم تغيّر. وفي عشرين، ستكون مراكز البحث العلمي نمت وآتت أكُلها بإذن الله.
إذا صار للأمّة اقتصاد صلب، وتعليم صلب، فقد تأسست القاعدة الصلبة لقيام حلم نهضوي صلب. ستتدفق أنهار الصلابة. لكن، مهلاً. ما رأيك في أن تكون للعرب فنون صلبة؟ موسيقى بأشكال وأجناس جديدة، فلا تظل الأصوات الجميلة بلا ملحنين مبدعين، فتضطر الحناجر الجيدة إلى ترديد مخزون الماضي. الموسيقى العربية، عناوين مشكلاتها تملأ موسوعة.
لزوم ما يلزم: النتيجة التعويليّة: كرم القارئ، أن يجود خياله الوسيع بالقياس على ما لم يُقل.
