في مكان ما من هذا العالم، تلقّى طفل لقاحاً لم يعرف من دفع ثمنه. وفي قرية بعيدة، وصلت جرعة إلى طفل لا يعرف أهله أين تقع أبوظبي. وفي مستشفى، كان طفل يخوض معركة أكبر من سنوات عمره، حين امتدت إليه يد من مكان بعيد.
خلف كثير من هذه المواقف رجل اسمه محمد.
إنه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله.. نعرفه رئيساً لدولة الإمارات، وقائداً يحمل مسؤولية وطن، لكنّ ثمة جانباً من سيرته لا تقوله المناصب، ولا تختصره الصور الرسمية، ولا تشرحه الأرقام وحدها.
في يناير 2011، اجتمع محمد بن زايد وبيل غيتس على هدف يبدو بسيطاً في عبارته، هائلاً في تنفيذه: ألّا يموت طفل بسبب مرض يمكن الوقاية منه. قدّم الاثنان مئة مليون دولار مناصفة لإيصال اللقاحات إلى أطفال أفغانستان وباكستان.
خمسة ملايين طفل في أفغانستان حُصّنوا ضد ستة أمراض قاتلة، ووصلت لقاحات شلل الأطفال إلى خمسة وثلاثين مليون طفل في البلدين. ومع السنوات، تجاوز عدد الجرعات التي قدمتها حملة الإمارات في باكستان ستمئة وستين مليون جرعة.
أرقام هائلة، لكنّ وراء كل رقم منها إنساناً لا يظهر في الإحصاءات. وبين هذه الملايين، نعرف اسم طفل واحد اسمه محمد أمير داود.
طفل أفغاني في الثالثة من عمره، مصاب بالسرطان، كانت أسرته تقيم في مدينة الإمارات الإنسانية بعد خروجها من أفغانستان. وصلت حالته إلى محمد بن زايد، فجاء التوجيه بعلاجه.
في ميزان الدول، حالة واحدة رقم صغير جداً. وفي ميزان أم تخشى أن تفقد طفلها، ذلك الرقم هو العالم كله.
وهنا، ربما، تكمن المسألة كلها: أن تستطيع أن ترى الواحد وأنت مسؤول عن الملايين.
والمسافة لا تغيّر ذلك.
حدث هذا قبل أيام، خلال زيارة رسمية إلى ألمانيا كانت أخبارها لا تزال تتوالى. وبين اجتماعات وملفات كان يمكن أن تملأ وقت أي رئيس دولة، لم يغب عنه أبناء الإمارات الذين يتلقون العلاج هناك.
وصلتهم هدايا من محمد بن زايد، ومعها بطاقة جاء فيها: «أسأل الله تعالى أن يمن عليكم بالشفاء ويمتعكم بالصحة والعافية».
ثم ختمها بما هو أبعد من كل الألقاب: «والدكم محمد بن زايد».
في الغربة، يصبح الوطن أبعد مما هو على الخريطة. ثم تصلك بطاقة من رئيس دولتك يخاطبك فيها كما يخاطب الأب أبناءه، فيعود الوطن فجأة إلى حجمه الكبير الحقيقي: بيت، وأهل، وأب يسأل عنك.
وليس هذا بجديد عليه، ففي سبتمبر 2024، وخلال زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة، زار محمد بن زايد مستشفى الأطفال الوطني في واشنطن، والتقى أطفالاً إماراتيين يتلقون العلاج، واطمأن عليهم وعلى أسرهم، وكان الأطفال يقتربون منه ليعانقوه.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تعيد للأرقام وجوهها، فالخمسة ملايين ليسوا رقماً حين تعرف أن لكل واحد منهم أمّاً تنتظره. وستمئة وستون مليون جرعة ليست مجرد حصيلة حين تتذكر أن وراء كل جرعة طفلاً كان يمكن لمرض واحد أن يغيّر حياته.
ومن يعرف المدرسة التي جاء منها محمد، يعرف من أين يأتي هذا، فمحمد هو ابن زايد.
وفي عالم اعتدنا فيه أن نقيس الرجال بما يملكون من سلطة، توجد طريقة أخرى لقياسهم.
بجرعة تصل إلى طفل لا يعرف اسمك، وببطاقة توقّعها ب «والدكم» لا بمنصبك، وبطفل في الثالثة رأيته وأنت مسؤول عن الملايين.
وحين تجتمع كل هذه المواقف في رجل واحد، ذلك الرجل اسمه محمد.
