الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

من يراقب قوة الذكاء الاصطناعي؟

29 سبتمبر 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 29 سبتمبر 00:08 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
جلس بيل غيتس أمام الكاميرا، ولم يكن يتحدث هذه المرة عن مستقبل البرمجيات أو فرص الاستثمار أو الثورة المقبلة في الأعمال. كان حديثه أكثر قتامة. قال إن الذكاء الاصطناعي، إذا وقع في الأيدي الخطأ، قد يصبح قوياً بما يكفي للتسبب في أحداث تقود إلى «مليار وفاة». ثم انتقل مباشرة إلى جوهر رسالته: لا يكفي أن تراقب الشركات نفسها، ولا يكفي وجود «مفتاح وقف» نضغط عليه عندما تخرج الأمور عن السيطرة.
قد يبدو الرقم صادماً، وربما مبالغاً فيه في نظر كثيرين، لكن الأهم ليس الرقم نفسه، بل السؤال الذي يقف خلفه: ماذا لو سبقت قوة الذكاء الاصطناعي قدرة الدول على تنظيمه؟
حتى سنوات قليلة مضت، كان الحديث عن الذكاء الاصطناعي يدور حول تحسين الخدمات، وتسريع الأعمال، وتحليل البيانات، ورفع الإنتاجية. اليوم تغيرت طبيعة النقاش. أصبحت النماذج أكثر قدرة على اتخاذ خطوات متتابعة، والتعامل مع الأنظمة الرقمية، وتنفيذ مهام كانت تحتاج إلى تدخل بشري مباشر. ومع هذا التحول، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية، بل بدأ يدخل تدريجياً في معادلات الأمن والاقتصاد والدفاع والإعلام وصناعة القرار.
ومن هنا يأتي الخلاف الكبير داخل الولايات المتحدة. فريق يرى أن الوقت حان لتشريعات واضحة ورقابة إلزامية، وفريق آخر يخشى أن تقيد القوانين الشركات الأمريكية في وقت تخوض فيه واشنطن سباقاً تكنولوجياً شديداً مع بكين. وهكذا يتحول النقاش من سؤال عن سلامة التكنولوجيا إلى سؤال عن القوة الدولية: من يملك النماذج الأقوى؟ ومن يضع قواعد استخدامها؟ ومن يستطيع فرض معاييره على الآخرين؟
هذه المعضلة ليست جديدة في التاريخ. كل تقنية شديدة التأثير سبقتها مرحلة من الحماس، ثم لحقتها مرحلة التنظيم. الطيران احتاج إلى قواعد، والطاقة النووية احتاجت إلى رقابة، والأسواق المالية احتاجت إلى مؤسسات تضبطها بعد أن ثبت أن تركها بلا قيود يحمل مخاطر واسعة. لذلك فإن وضع قواعد للذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة تعطيل الابتكار، بل قد يكون شرطاً لحمايته من أخطاء تهدد الثقة به.
المشكلة أن الذكاء الاصطناعي يتحرك بسرعة مختلفة. القوانين تحتاج إلى وقت، والبرلمانات تحتاج إلى نقاش، والمؤسسات تحتاج إلى تقييم، بينما النماذج تتطور خلال أشهر، وأحياناً أسابيع. هنا تتشكل الفجوة الأخطر: التكنولوجيا تركض، والتنظيم يحاول اللحاق بها.
وفي منطقتنا، تزداد أهمية هذا النقاش مع تسارع التحول الرقمي، واعتماد القطاعات الحيوية على الأنظمة الذكية. الطاقة، والموانئ، والمطارات، والبنوك، والاتصالات، والخدمات الحكومية، جميعها أصبحت أكثر ارتباطاً بالبنية الرقمية. وإذا كانت هذه البنية تُدار مستقبلاً بأنظمة أكثر استقلالية، فإن أي خلل لن يبقى مجرد خطأ تقني، بل قد يتحول إلى أزمة اقتصادية أو أمنية.
لهذا يبدو حديث غيتس عن «مفتاح الوقف» مهماً. الفكرة البسيطة تقول إننا نستطيع إيقاف النظام عندما يصبح خطِراً. لكن ماذا لو كان الضرر قد بدأ بالفعل؟ وماذا لو انتقلت المشكلة من نظام واحد إلى شبكة من الأنظمة؟ وماذا لو لم يكن الخطر في تمرد الآلة، بل في إساءة استخدام الإنسان لها؟
الخطر الأكبر ربما لا يأتي من سيناريوهات الخيال العلمي، بل من استخدامات أكثر واقعية: هجمات سيبرانية أكثر تعقيداً، تضليل واسع، تزوير رقمي متقن، أو توظيف أنظمة ذكية داخل بنى حساسة من دون اختبار كافٍ. هنا تصبح الحوكمة جزءاً من الأمن الوطني، وليست مجرد ملف تقني أو قانوني.
والإمارات تتحرك مبكراً في هذا الاتجاه، عبر الجمع بين الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتطوير أطر للسلامة والشفافية والمساءلة والرقابة البشرية. هذه المعادلة مهمة، لأن الدول لا تحتاج فقط إلى أن تكون سريعة في تبني التكنولوجيا،، بل أيضاً دقيقة في تحديد أين تستخدمها، وكيف تراقبها، ومن يتحمل المسؤولية عندما تخطئ.
أما على المستوى الدولي، فالمسألة تصبح أكثر تعقيداً. الذكاء الاصطناعي لا يعترف بالحدود، والهجوم الرقمي يمكن أن يبدأ في دولة ويصيب دولة أخرى خلال لحظات. لذلك لن تكفي القوانين الوطنية وحدها إذا أصبحت الأنظمة شديدة القوة وعابرة للحدود. العالم سيحتاج إلى تفاهمات دولية، وآليات للإنذار المبكر، وتبادل للمعلومات، وربما قواعد مشتركة شبيهة بما نشأ سابقاً حول تقنيات خطِرة أخرى.
حديث بيل غيتس لا يفرض علينا أن نصدق أسوأ السيناريوهات، لكنه يفرض سؤالاً لا يمكن تجاهله: هل نبني الذكاء الاصطناعي أسرع مما نبني القدرة على ضبطه؟
في النهاية، المسألة ليست خوفاً من التكنولوجيا، ولا دعوة إلى تعطيلها. المسألة تتعلق بمن يملك السيطرة حين تصبح الأداة شديدة القوة. إن حوكمة الذكاء الاصطناعي ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة وحجم التحولات المتسارعة من حولنا. ففي زمن تتعلم فيه الآلة بسرعة، يجب ألاّ تتأخر الدولة عن تعلم كيفية إدارتها.
[email protected]
*دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة